01 يوليو، 2009

القـــافية 'Ection'

أيـــــا ذا القـلب لا تحـــــزن فــــــذاك الحـب Infection

فـلـن تجــــــدي عقــــــاقير ولن تشفــــــيك Injection

فـــكم من عـاقـــــل فطـــن مضى بالحــب Direction

سـتـنـــــكره وتـنـســــــــاه ولن يبـــــقى له Mention

فـلا تنــــــــظم له شعــــراً ولا تكـتــــــب له Section

ولا يحــــــــزنك من باعك فقد أخطــــأت Selection

ولا تبـــــدي له أســـــــفـاً ولا تبــــــــــدي له action

فـــــــــــــإن الحب منـزلةٌ لبعض الناس exception

فبعض الناس إن هجـروا فلا حـــــزنٌ ولا tension

وبعض الناس إن هجروا يظل ويبـقى connection

فوصــــــل الروح إقبـــالٌ وما أحـــــــــلاه reaction

بدعـوات ومن قــلــــــب لها أثــــــــــر و affection

فـــإن لم يبـــــق لي شيء فلا حــــــــب ولا Passion

فــلا أسـف عـلى دنـيــــــا لـك وعليــك conversion

19 يونيو، 2009

المؤتمر العالمي الثاني للغة العربية وآدابها

"إسلامية الدراسات اللغوية والأدبية وتطبيقاتها"
التاريخ: 21- 23 ديسمبر 2009م
الموافق 4-6 محرم 1431هـ
المكان: الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
المنظم: قسم اللغة العربية وآدابها كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
البقية على هذا الرابط:

17 أبريل، 2009

جديد المكتبة اللسانية العربية

كتاب: التعجب في اللغة العربية: طبيعته ووظائفه وبنياته للدكتورة نعيمة الزهري عرض: هشام فتح ازدانت المكتبة اللسانية، المغربية على الخصوص، بثاني كتاب للدكتورة الباحثة نعيمة الزهري، بعد كتاب الأمر والنهي في اللغة العربية؛ ويتعلق الأمر هنا بالجزء الأول من كتابها: «التعجب في اللغة العربية: طبيعته ووظائفه وبنياته» الصادر عن دار الفرقان/2009، والبالغ صفحاته 264 صفحة من الحجم المتوسط. 1- أطروحة الكتاب: تصدت الدكتورة الباحثة نعيمة الزهري في كتابها بجزأيه لرصد ظاهرة التعجب انطلاقا من الاعتبارات التالية: - أولها؛ أن التعجب ظاهرة لغوية لم تنل العناية الملائمة قديما وحديثا بالرغم مما تنضح به من الغنى والتنوع؛ ففي الفكر اللغوي العربي القديم احتكرها النحاة دون البلاغيين والأصوليين، بينما تُلُوفيَت في اللسانيات غير المؤسَّسة تداوليا، لتتم مقاربتها مقاربة أكفى وصفا وتفسيرا داخل اللسانيات الوظيفية من خلال إنجازات د. أحمد المتوكل(المتوكل: 1995، 1996، 1999، 2005). وحتى ما نَدَر من الدراسات التي لامست التعجب مابرحت تستقي أمثلتها النمطية من كتب النحو القديم، وهي أمثلة تفتقر إلى شرط الكفاية التمثيلية لجميع التراكيب التعجبية، فضلا عن أحادية المستوى اللغوي الذي تنتمي إليه وهو مستوى اللغة العربية الفصحى. الأمر الذي دفع بالدكتورة الباحثة نعيمة الزهري إلى تطوير وإغناء ظاهرة التعجب انطلاقا من حصيلة لغوية أوسع تهم اللغة العربية الفصحى والفصيحة ودوارجها (عربية مغربية، مغاربية، مصرية، شامية، خليجية) وكذلك لغات طبيعية أخرى كالفرنسية والإنجليزية (والإسبانية بالنسبة لبعض الأسْيِقة)، بهدف وضع تنميط شامل للتراكيب التعجبية. - ثانيها؛ أن التعجب قورب داخل إطار النحو الوظيفي من منظور ثلاث أطروحات: أ- التعجب قوة إنجازية كالخبر والاستفهام والأمر والنهي (Dik.S.C: 1997a). ب- التعجب وجها قضويا من الوجوه الذاتية الانفعالية(المتوكل: 1995، 1999، 2005). ج- التعجب فعلا خطابيا تعبيريا(Hengeveld. K – Mackenzie.J.L :2008). وسعيا إلى تحديد الهوية الملتبسة للتعجب، واستكمالا للإنجاز المتوكلي انبرت الدكتورة الباحثة نعيمة الزهري في كتابها هذا بجزأيه للمنافحة عن صحة أطروحة وجْهية التعجب(الأطروحة الثانية)، مستوحية أحدث صيغ نظرية النحو الوظيفي وهي الصيغة الطبقية القالبية لنموذج مستعملي اللغة الطبيعية. 2- خطة الكتاب: انطلاقا من الاعتبار الأول، انفرد هذا الكتاب في جزئه الحالي بالبحث في طبيعة التعجب بهدف وضع تنميط شامل لتراكيبه، وقد اختطّت الدكتورة الباحثة نعيمة الزهري لذلك الغرض ثلاثة فصول: اعتنى الفصل الأول بتسطير تعريف جامع مانع لمفهوم التعجب(انفعال من حاصل غير مألوف) على النحو الذي يقصي معه أي شكل من أشكال المؤاسَرة الصيغية أو الدلالية مع غيره من المفاهيم الملابسة له(الأمر، التمني، الترجي، الندبة، الاستغاثة...). أما الفصل الثاني فقد انفرد بالبحث عن معايير تنميط التعجب استنادا إلى أربعة معايير: أ- معيار حيز أو مجال انصباب التعجب(المحمول، المركب الاسمي، الجملة، النص)، وهي حيوز لم يُعنى سوى بواحد منها (وهو حيز الجملة) في مقاربة الفكر اللغوي العربي القديم للظاهرة، ب-ومعيار قِيَمه التي لا تخرج عن ثلاثة أنواع: إما كونه تعجبا محايدا أو مادحا أو ذامًّا، ج- ومعيار قابلية تدرج هذه القيم تبعا لتدرج مفهوم عدم المألوفية أو الغرابة لدى المتكلم حين انفعاله. وفي هذا الصدد ذيَّلت الدكتورة الباحثة ما ساقته بشأن المعايير الثلاثة السابقة، بإثارة العلاقة التي تربط التعجب بالوسائط الثقافية باعتباره ظاهرة لغوية كلية ألصق بالاستعمال ومحكومة بالإطار السوسيو-ثقافي. - وأما رابع المعايير، الذي تفرد الفصل الثالث بالتصدي له، فيتعلق بمعيار وسائل تحقق التعجب داخل اللغات الموصوفة(العربية الفصحى والفصيحة وبعض دوارجها وزمرة من اللغات الهندو-أوروبية) وهي وسائل موزعة بين ما هو معجمي وصرفي وتركيبي وتطريزي. وقد زجَّى هذا المعيار بالدكتورة الباحثة إلى ملامسة بعض القضايا المتمثلة في: - التوزيع البنيوي لمختلف وسائل التحقق والوسائط التي تحدده، - وفي تضافر هذه الوسائل بمفعول درجات التعجب ذاتها وتشطير التضافر إلى«متماثل» و«متباين»، - وفي مجمل التعالقات القائمة، من جهة، بين تحقق التعجب والتطور اللغوي من خلال ثلاث ظواهر تعرض لوسائل التحقق هي: «النزع»(سقوط إحدى وسائل تحقق التعجب بأنماطها جميعها) و«التعويض»(ما يستعاض به عن المنزوع من تلك الوسائل، وهو نوعان: تعويض المتماثل وتعويض المتباين) و«التحول»(مرور وسيلة ما من نمط إلى آخر، وهو نوعان: تحول لفظي وتحول دلالي)، وتلك القائمة، من جهة أخرى، بينه وبين التنميط اللغوي الذي يتوخى تصنيف اللغات الطبيعية بالنسبة للتراكيب التعجبية على أساس الوسائل التعجبية المغلَّّبة(صرفية، معجمية، تركيبية، تطريزية). كانت هذه، إجمالا، أهم مفاصل الجزء الحالي من كتاب الدكتورة الباحثة نعيمة الزهري، وهو جزء تأسيسي من الناحية المنهجية والتصورية، تولى معالجة إشكال مفهوم التعجب كمعطى خام مجرد عن أي وصف، ليكون عتبة يدلف عبرها القارئ إلى الجزء الثاني بفصليه اللذين سيتوزعان على مستوى مقاربة الظاهرة بين تصورين هما: التصور اللغوي العربي القديم وتصور النحو الوظيفي، باعتبارهما تصورين يجسدان وحدة الفكر اللساني وإن تباعدا زمانا ومكانا. لقد اجتمعت في هذه الدراسة الضافية ثلاث مواصفات معهود بها في جميع أعمال الباحثة الدكتورة نعيمة الزهري: - الإصابة في انتقاء الموضوع، - والالتزام بالمنهج العلمي على مستوى المقاربة والمقارنة والمفاضلة، - وأناقة لغتها الواصفة المفتونة بروح القَدامَة، بلطائفها وبدائعها. لهذه الأسباب متآسرة حُق للمكتبة اللسانية المغربية بَلْهَ العربية أن تفخر بمثل هذه الأعمال المحكِّكة التي تعد بمثابة مرجع أساسي، يتوخى إعادة النظر في بعض قضايا الدرس اللغوي العربي بآليات لسانية حديثة تستهدف إغناء التصورات القديمة وتفعيلها باعتبارها أصلا ومصدر استثمار بعيدا عن أي إسقاط أو إجحاف. كما أن مثل هذه الأعمال الجادة من شأنها كذلك أن تطمئن إليها أفئدة القارئين وإن تباينت مشاربهم(أساتذة، طلبة، باحثين...). __ الحصول على نسخة (أو نسخ ) من الكتاب عن طريق الأستاذ هشام فتح: email: fath.hicham@live.fr tel: +212 66 26 13 917 +212 52 22 13 603

07 أبريل، 2009

الأولى عربيا: مدونون مغاربة يؤسسون جمعيتهم

جمعية المدونين المغاربة في مؤتمرها التأسيسي: مجمع الاختلاف والائتلاف في المغرب
الرباط / محمد مليطان
قال السيد سعيد بن جبلي الرئيس المنتخب جمعية المدونين المغاربة، أنه سيدفع بكل المستندات التي تخوله - بحسب المسطرة القانونية بالبلاد - إشهار جمعيته الوليدة.
رهان
وأسس مدونون مغاربة جمعية، قالوا أنهم بحاجة لها لتحسيس الفضاء المدون، والمجتمع عموما، بأهمية ودور المدونات على شبكة الانترنت. وأعترف السيد بن جبلي في اتصال مع القسم العربي بإذاعة هولندا "أن الرهان مطروح بقوة أمام الجمعية كي لا يتم حرف حيادها "مع أو ضد" السلطة. ولكنه قال أن ما جرى في الاجتماع التأسيسي أبان عن رغبة للحفاظ على هوية مستقلة للجمعية.. بحسب رأيه. وكان البحث في "سؤال الحرية أم سؤال الثوابت؟" حاضرا في اجتماع "تأسيس جمعية المدونين المغاربة" والذي أعتبره المشاركون فيه حدثا عربيا، وليس مغربيا فحسب، حيث قالوا أنه الأول من نوعه في العالم العربي.
اتجاهات متباينة
وأبان الاجتماع عن مناقشات تبرز انتماءات المدونين في نقاشهم ومطالبهم، حيث ألمح البعض إلى استبعاد المدونين الذين تعد تدويناتهم خطرا على أمن المغرب ووحدته الترابية، أو الذين ينتمون لجماعات تخالف بسلوكها الدين الإسلامي والأعراف والأخلاق الاجتماعية بالمغرب، ونادى بعض المدونين بترجمة القانون ومطبوعات الجمعية الأخرى إلى الفرنسية. في حين انفتح فريق على كل التيارات والثقافات والتوجهات معتبرين هذه الجمعية مظلة لجميع المدونين المغاربة بمختلف ألوانهم وأديانهم وثقافاتهم. واختتم مساء السبت أعمال المؤتمر التأسيسي (الأول) لجمعية المدونين المغاربة بمقر هيئات المحامين ومعهد حقوق الإنسان بالعاصمة المغربية الرباط بمشاركة أكثر من خمسين مدونا من مختلف الفئات العمرية والثقافية والجهات الحضرية.
ميثاق شرف خلافي
المؤتمر الذي ختم أشغاله خلال يوم واحد تضمن برنامجه نقاش جملة من القضايا التأسيسية من أهمها عرض القانون الأساسي لجمعية المدونين المغاربة الذي خضع لجملة من التعديلات طالت بعض مواده التي لا تستجيب لطموحات وتطلعات كل المؤتمرين، وأوكلت مهمة التعديل للجنة منبثقة عن المؤتمرين ليتم إعداده للمصادقة عليه. لكن هذا الترحيب بالقانون الأساسي والاهتمام به لم يحض به مشروع ميثاق شرف التدوين وصحافة المواطن الذي اتفقت أصوات أغلب المؤتمرين بأنه سابق لأوانه، وأن بنود مسودة الميثاق التي وزعت على المؤتمرين وتليت عليهم لا تحظى بتأييدهم، وبذلك تم الاتفاق على تأجيل مناقشته والتصويت عليه لجلسات قادمة.
انتخابات
الجلسة المسائية كانت مخصصة لانتخاب المجلس الوطني لجمعية المدونين المغاربة، وانتخاب المكتب التنفيذي، ورئيس جمعية المدونين المغاربة، وبعد نقاش وجدال طويلين تم اللجوء إلى التصويت لحسم مجموعة من مسائل الخلاف بين المؤتمرين من أهمها تحديد اسم الجمعية الذي تم التصويت على أن يكون الاسم هو "جمعية المدونين المغاربة" في مقابل مقترح طالب بأن يكون الاسم هو "اتحاد المدونين المغاربة". كما كانت آليات اتخاذ القرار والانتخاب داخل الجمعية محور جدل وخلاف بين المؤتمرين، تم حسم هذا الخلاف باللجوء إلى التصويت الذي أسفرت نتيجته بأن يتم اعتبار القرار النافذ هو القرار الذي يحصل على الأغلبية النسبية داخل الجمعية سواء على مستوى المجلس الوطني أو المكتب التنفيذي، كما أجمع المؤتمرون على أن يتم اعتبار جميع المترشحين البالغ عددهم 41 مترشحا أعضاء في المجلس الوطني لجمعية المدونين المغاربة. وأوكلت مهمة انتخاب رئيس الجمعية وأعضاء المكتب التنفيذي إلى أعضاء المجلس الوطني، وفي الجلسة نفسها تم انتخاب السيد سعيد بنجبلي رئيسا لجمعية المدونين المغاربة، العضو الناشط في اللجنة التحضيرية، والحاصل على ليسانس في الدراسات الإسلامية، كما تم انتخاب خمسة عشر عضوا في المكتب التنفيذي للجمعية.
ضيوف ودعم
وفيما يبدو محاولة جادة لتسليط الضوء على عالم المدونات المغربي، وتعزيزا للاعتبار، لم يخلو الاجتماع من أسماء بارزة مثل الصحافي المغربي عبد الصمد بنشريفة الذي حل ضيفا شرفيا على المؤتمر بدعوة من اللجنة التحضيرية، وهو صحافي معروف في الأوساط المغربية بأنه معارض أو "مناضل سياسي" كما وصفه المدونون، وقد سبق له أن دخل السجن بسبب آرائه ومواقفه وهو كما قال أحد المدونين لسان حال المدونين المغاربة. كما إن استضافة هيأة المحامين بالعاصمة الرباط لأعمال هذا المؤتمر وكلمة نقيب المحامين بالرباط السيد محمد اقديم المشجعة والداعمة كانت بمثابة دعم معنوي ومادي للمدونين المغاربة من رجالات القانون بالمغرب، كما قال بعض المدونين .
________
سبق نشره بموقع إذاعة هولندا العالمية

25 مارس، 2009

مسائل النحو العربي في قضايا نحو الخطاب الوظيفي... كتاب جديد للأستاذ أحمد المتوكل

صدر للأستاذ أحمد المتوكل (الصورة) عن دار الكتاب الجديد ببيروت كتاب جديد يحمل اسم (مسائل النحو العربي في قضايا نحو الخطاب الوظيفي)، وجاء في مقدمة الكتاب:من أهم القضايا التي لا يخلو بحث لساني عربي من إثارتها، أيا كان الإطار النظري المعتمد، قضية التعامل مع التراث الذي خلّفه المفكرون العرب القدماء نحاة وبلاغيين وأصوليين ومفسرين. وقد جعلنا من أهداف مشروع المنحى اللساني الوظيفي العربي وضع منهجية علمية لقراءة هذا التراث واستثماره (المتوكل 1982) و(2006) ضمن آخرين)، من المقومات التي أقمنا عليها المنهجية التي اقترحناها مقومات مركزية ثلاثة هي:أولا، تحكيم النظريات اللسانية ذات التوجه الوظيفي؛ حديثة كانت أم قديمة (ومن ضمنها التراث اللغوي العربي) إلى ميتانظرية عامة أسميناها "النظرية الوظيفية المثلى" تحكيما يكفل الاتساق وتلافي الإسقاط؛ثانيا، رفع مفهوم "القطيعة المعرفية" عن علاقة اللسانيات الحديثة بالفكر اللغوي القديم واعتبار المنحى الوظيفي العربي الحديث امتدادا طبيعيا للدراسات البلاغية والأصولية والنحوية العربية القديمة؛ثالثا؛ إقامة الحوار بين الدرس اللساني الوظيفي الحديث والفكر اللغوي العربي القديم على أساس أنه تاريخ ومرجع يحتكم إليه حين الحجاج لورود مقاربة ظواهر لغوية عربية معينة ومصدرا يمتح منه عند الاحتياج إلى مفاهيم أو تحليلات مناسبة يمكن أن تغني المقاربة الوظيفية لقضايا اللغة العربية على الخصوص وقضايا اللغات الطبيعية بوجه عام.

04 مارس، 2009

مؤتمر فيـــلادلفيا الدولي الرابع عشر (ثقافة التواصل)

تنظــم كـلية الآداب والفنـــون (مؤتمر فيـــلادلفيا الدولي الرابع عشر) تحـت عنوان: (ثقافة التواصل )، في الفترة من 3 – 5 تشرين ثاني (نوفمبر) 2009. ولمزيد من المعلومات عن المؤتمر وملء استمارة المشاركة يمكن مراجعة الموقع الإلكتروني التالي: www.philadelphia.edu.jo/artsconf ويمكن المراسلة على البريد عنونيّ البريد الإلكتروني التاليين: Philadconf14@gmail.com Philadconf14@yahoo.com
محاور مؤتمر فيلادلفيا الدولي الرابع عشر ( ثقافة التواصــل ) 3 – 5 تشرين ثاني (نوفمبر) 2009
يتمثَّل التواصل الناجح بالتفاعل القادر على إشباع رغبة الإنسان في المعرفة والمثاقفة. وقد استجاب الإنسان لهذه الضرورة بابتكار أدوات تواصلية، بدءًا من اللغة، التي تمثّل أبرز قنوات التواصل، ومرورًا بالفنون، والفلسفة، والعمارة، والرحلات، والآداب، وعلوم الاتِّصال، وانتهاءً بأحدث مبتكرات التكنولوجيا. أما الحروب، والاستعمار، والسيطرة، والإقصاء فتلغي التواصل لأنها تفترض مسبقاً تفوُّقها على الآخرين. وتفرض الثقافة المنتجة للتواصل، والتواصل المنتج لثقافة إنسانية متنورة تحدِّيات كبرى تجعل من دراسة ثقافة التواصل أمرًا ضروريًّا يسهم في تمكين الأفراد والجماعات والشعوب من اكتسابها لأن اكتسابها هو الضامن الوحيد للوصول إلى الحالة المأمولة من التفاعل والتعارف في ظل تعدد الثقافات، بعيدا عن احتكار الأفراد والجماعات المتمتِّعين بالقوة والنفوذ لها ولأدواتها ومكتسباتها.
محاور المؤتمر:
1. استراتيجيات التواصل. 2. تمثيلات التواصل في اللغة والأدب والنقد. 3. تمثيلات التواصل في الفنون والعمارة. 4. تمثيلات التواصل في التاريخ. 5. الترجمة وسيطًا تواصليًّا. 6. أثر الرحلات والسِفارات في ثقافة التواصل. 7. دور الإعلام في ثقافة التواصل. 8. المدن وثقافة التواصل. 9. مراكز البحث العلمي وثقافة التواصل 10. تواصل الثقافات: المركز والهامش. Philadelphia University's Fourteenth International Conference: The Culture of Communication 3-5 November 2009 Successful communication is that which fulfills man's desire for knowledge and cultural exchange. For this purpose, man has created the necessary tools, which include language, the plastic and verbal arts, philosophy, travel, and the latest technological innovations, which have turned the world into a global village. Impediments against successful communication include war, colonization, hegemonic and exclusivist tendencies, and a myopic sense of superiority, all of which tend to negate the possibility of communication because they presuppose that the different "other" is devoid of value. The culture of communication poses great challenges to modern international relations and requires a closer look at its philosophy and the ways and means of empowering individuals and communities to interact in order to create a healthy atmosphere of multiculturalism, in which no culture has the right to dominate and to exclude the other. The conference will be investigating the following topics: 1. Strategies of Communication 2. Communication in Language, Literature, and Criticism 3. Communication in Art and Architecture 4. Communication in History 5. Translation as a Means of Communication 6. Travel and Diplomatic Missions in the Culture of Communication 7. Mass Media in Cultural Exchange 8. The Metropolis as a Center for Cultural Exchange 9. Research Centers and the Culture of Communication 10. Cultural Exchange: Center and Periphery
اللجنة المنظمة:
أ.د صالح أبو أصبع ر ئيساً للجنة أ.د محمد عصفور د. محمد عبيدالله مقرراً د. توفيق شومر د. هيثم سرحان د. يوسف ربابعة د. مهند مبيضين د.ستار الجبوري د. بشار مارديني د. هالة العبوشي د. فدوى نصيرات د. فداء صلاح السيدة ظلال عويس
كـلية الآداب والفنون مؤتمر فيلادلفيا الدولي الرابع عشر ( ثقافة التواصل) 3 – 5 تشرين ثاني (نوفمبر) 2009
1. سيعقد المؤتمر في موعده المقرر في الفترة من 3-5/11/2009، ويبدأ حجز الإقامة للمشاركين من خارج الأردن في 2/11 ويستمر حتى يوم 6/11/2009، وسنبلغكم لاحقاً عن مكان إقامة المشاركين. 2. ستتحمل جامعة فيلادلفيا نفقات الإقامة والضيافة والتنقلات داخل الأردن، ويتحمل المشاركون نفقات السفر. 3. ستعد اللجنة المنظمة دليلاً أو كتاباً تعريفياً بصيغة ورقية وإلكترونية يشتمل على برنامج المؤتمر وملخصات البحوث وتعريفات موجزة بالمشــاركين، ويقتضي هذا الأمر تزويد اللجنة بما يلي(في موعد أقصاه(15/4/2009) أ‌- ملخص البحث بصيغته النهائية خالياً من الأخطاء الطباعية في حدود صفحة واحدة، ويوضع في رأس الصفحة عنوان البحث/ اسم الباحث/ اسم الجامعة أو المؤسسة/ اسم البلد – الدولة. ب‌- موجز السيرة الذاتية/ العلمية في حدود صفحة واحدة، لغايات تضمينها في الكتاب التعريفي والإفادة منها في إدارة الجلسات العلمية. 4. ستصدر اللجنة كتاباً إلكترونياً على (C.D) يشتمل على البحوث المشاركة ويتم تزويد المشاركين به، ونأمل من المشاركين مراعاة ما يلي: أ- أن تصل البحوث في الموعد المقرر ( 30/ 7 /2009) كحد أقصى. ب- أن لا يزيد البحث عن( 7000) كلمة بما فيها الهوامش وقائمة المصادر والمراجع والملاحق وتوضع الهوامش متسلسلة في نهاية البحث. جـ- يرسل البحث على البريد الإلكتروني أو على ديسكت أو C.D بحيث يكون مراجعاً ومدققاً من الناحية الطباعية واللغوية. 5. سيتضمن الدليل عناوين المشاركين لغايات تبادلها وتعميمها وسيخصّص لها النموذج التالي:
الإســم الجامعة/المؤسسة العنوان البريدي (للمراسلة) رقم الهاتف/ رقم الفاكس/ البريد الإلكتروني/ الموقع الإلكتروني
التخصص/مجالات الاهتمام
نأمل تزويدنا بهذه المعلومات، بصيغة دقيقة مراجعة إذ سيتم اعتمادها، وتضمينها للدليل. 6. نرجو من المشاركين إرسال خطاب لتأكيد المشاركة، وفي حال استجدت ظروف تمنع من ذلك، نأمل إبلاغنا بسرعة، لما لهذا الأمر من دور في تنظيم المؤتمر واستقرار برنامجه. 7. نرجـو من الإخوة المشـاركين الذين يحتاجون إلى تأشيرة دخول إلى الأردن ، إرسـال صورة حـديثة عن جـواز الســفر في موعد أقصـاه 1/ 7/2009، لغايات تسهيل مشاركتهم في المؤتمر.

11 فبراير، 2009

جامعة محمد الخامس بالرباط.. خمسون عاما من التميز العلمي

حوارات وإعداد/ محمد مليطان
تحتفل جامعة محمد الخامس بالرباط، أو بالأحرى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة بعيدها الخمسين على تأسيسها، باعتبارها أول جامعة مغربية عصرية، وهي احتفالات تقوم على رصيد علمي كبير، كان له أطيب الأثر في الفكر العربي والإسلامي المعاصرين، فقد قدمت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط تحديدا نخبة من العلماء والباحثين الذين ساهموا بشكل كبير في تطوير الفكر العربي والإسلامي المعاصرين، وأسسوا مدارس فكرية عرفت باسمهم، وانتقلوا بالعقل العربي والإسلامي إلى مرحلة جديدة من التفكير والمعرفة، القائمين على أسس منهجية علمية جديدة تختلف جذريا عن تلك المناهج التقليدية التي كانت سائدة في الثقافة العربية، والتي غالبا ما كانت تعجز عن الإجابة على الأسئلة الراهنة.قائمة العلماء والباحثين المغاربة الذين تخرجوا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط طويلة جدا، وقد اقتصرنا في هذه المناسبة على نخبة مهمة من العلماء المغاربة الذين قدموا للمكتبة العربية وللمعرفة الإنسانية بشكل عام إسهامات متميزة، خاصة في مجال اللغة العربية وآدابها، حيث عرف المشهد اللغوي العربي علماء مغاربة لايزال كثير منهم يسهم بأعماله العلمية التي تضيف جديدا للثقافة العربية كل يوم، بل وتتعدى حدود العالم العربي ليشاركوا في تطوير وبناء الصرح اللغوي الإنساني، فالجامعات العالمية ومراكز البحث الدولية تعرف جيدا العلماء المغاربة ممن درَسوا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أو درّسوا فيها من أمثال محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وطه عبد الرحمن، وعبد القادر الفاسي الفهري، وأحمد المتوكل، وسعيد يقطين، وغيرهم. ومواكبة من مجلة العربية للأحداث العلمية المهمة في العالم العربي فقد التقت بهذه النخبة من العلماء لتستطلع آراءهم في مسيرة الكلية في نصف قرن، وتسجل تقييمهم للمنجز العلمي والفكري للكلية في مسيرتها الخمسينية، وتتعرف على طموحاتهم ورؤاهم المستقبلية لهذا الصرح العلمي العتيد الذي صار يعول عليه كثيرا في النهوض بالثقافة والفكر والأدب واللغة العربية.
الأستاذ عبدالكريم كريم، قيدوم الأساتذة في الجامعة المغربية ورئيس جمعية المؤرخين المغاربة حدثنا، فقال:
• في أكتوبر 1913م أسس الفرنسيون مدرسة أطلقوا عليها: (المدرسة العليا للغة والأدب العربيين واللهجات البربرية) أبوابها (كلية الآداب اليوم) وقد أصدرت هذه المدرسة أول مجلة تحت اسم (الوثائق البربرية) وبعد الحرب العالمية الأولى تغير اسم المدرسة من المدرسة العليا للغة والأدب العربيين واللهجات البربرية إلى (معهد المباحث العليا المغربية) الذي أصدر بدوره مجلة أخرى أطلق عليها: اسبريس[في التاريخ الاغريقي القديم قالوا بأن في المغرب حدائق كانت تنتج بدل التفاح فاكهة ذهبية، وغلتها تسمى اسبريس] وبعد تأسيس جامعة محمد الخامس أصدرت كلية الآداب مجلة تحت عنوان: اسبريس- تمودا [تمودا: اسم تطوان القديم في اللغة الإسبانية، وتم جمع الاسمين الفرنسي والإسباني في هذه المجلة (اسبريس – تمواد)].
• مما أحمد الله عليه أنني وفقت لأكون قيدوم التعليم العالي في المغرب، وقد شرعت في التدريس بكلية الآداب يوم 4 يناير 1958، وهذا التاريخ يمكن اعتباره الانطلاقة الأولى للدراسة في كلية الآداب بجامعة الرباط، لأن الاسم الأول الذي أطلق على جامعة محمد الخامس حاليا هو (جامعة الرباط) وقد دشنها الملك محمد الخامس في 28 جمادى الأولى 1377 هـ الموافق 21 ديسمبر 1957 م في المبنى الذي توجد به كلية العلوم بأكدال الآن، وقد جاء في كلمة محمد الخامس في حفل افتتاح جامعة الرباط: "هانحن ندشن اليوم بحمد الله أول جامعة مغربية عصرية، مبتهجين بتحقيق أمل من أعز أمانينا، مغتبطين بهذا الحدث الجليل الذي شاء الله أن يكون ممت نتوج به عهد الاستقلال...."، وقد كانت كلية الآداب والعلوم الاجتماعية أول كلية يتم افتتاحها في جامعة الرباط، وعين آنذاك المؤرخ الفرنسي شارل أوندري جوليان عميدا شرفيا لها، وفي شهر ماي 1958 عين المرحوم محمد الفاسي رئيسا للجامعة المغربية، وفي إحدى الجلسات من هذا الشهر وفي هذه السنة تقرر أن تحمل جامعة الرباط اسم جامعة محمد الخامس، وهكذا تحل الذكرى الخمسون لجامعة محمد الخامس في سنة 2008.
• في سنة 1958 كان نظام الدراسة يفرض أن تكون السنة الدراسية الأولى عامة، وفي السنة الثانية يتخصص الطلاب في إحدى الشعب التي افتتحت في البداية، وهي: اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، واللغات الأجنبية (الفرنسية والإسبانية)، واستقبلت الكلية أول بعثة من الأساتذة في سنة 1959 جاؤوا من سوريا ولبنان ومصر للتدريس في الشعب المختلفة، منهم: تمام حسان، حسن ظاظا، وحسن إبراهيم حسن، جلال الدين يحيى، أحمد مختار العبادي، حسان عوض، أمجد الطرابلسي، رشيد الناضوري وغيرهم.

الأستاذ الدكتور محمد بريان، أستاذ التعليم العالي في شعبة الجغرافيا وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية حاليا، استهل حديثه لمجلة العربية بالقول:

• إن كلية الآداب والعلوم الانسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط هي أول كلية أنشأت بالمغرب الحديث، وبلوغها الخمسين سنة يفسر تراكما معرفيا وتراكما منهجيا وإشعاعا ليس على مستوى المغرب فقط؛ بل على مستوى العالم العربي والدول الأوربية التي لنا معها علاقات كبيرة، وخلال هذه المدة تم تكوين جل الأساتذة العاملين الآن بالجامعات الأربعة عشر الموجودة بالمغرب حاليا ولذلك فهي تسمى الكلية الأم.

• وكذلك فهي الكلية التي تقترح أكثر تخصصات في اللغات وفي العلوم الإنسانية، فهي الكلية الوحيدة مثلا التي تقترح ليسانس في اللغة الايطالية، وهذا لا يوجد في أي كلية مغربية أخرى، وفي العام المقبل ستقترح ليسانس في اللغة البرتغالية، ونعمل في السنة التي بعدها على اقتراح ليسانس في اللغة الصينية، طبعا بالإضافة إلى وجود اللغات الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والأسبانية، فهناك تمثيلية للغات حية متعددة، هذا على مستوى اللغات.

• بالإضافة إلى أنها توفر عدة تخصصات في الدراسات العليا، فنحن الآن لدينا حوالي سبعمائة طالب مسجلين في الدكتوراه، من بينهم مائتا طالب من الدول العربية، ليس فقط من الدول القريبة مثل موريتانيا وتونس وليبيا والجزائر؛ بل هناك طلبة من الخليج قطر والإمارات والبحرين والكويت والعربية السعودية، ومن اليمن، وهناك طلبة كثيرون من آسيا من ماليزيا وأندونيسيا والصين وكوريا.
• أيضا فالكلية تتوفر على ثاني مكتبة في المغرب بعد المكتبة الوطنية، من حيث مخزون الكتب، والمخطوطات، والمراجع، حيث تحوي مكتبة الكلية على حوالي ستمائة ألف كتاب.
• الكلية أيضا معروفة بنشاطها العلمي من غير الماستر والدكتوراه، فهي معروفة أيضا بإنتاجها العلمي حيث تعتبر أكبر دار نشر في المغرب، حيث تنشر ما بين عشرين إلى ثلاثين كتاب سنويا، وهذا بالطبع نتيجة البحث والتفكير الذي يقوم به أساتذتها، ولها ستة وثلاثون بنية للبحث، ونعني هنا المختبرات وفرق البحث التي تشتغل بشكل جماعي، وهو غير البحث الكلاسيكي الفردي، وهذا النشاط يساوي نشاط جامعة في بلدان عربية أخرى، حسب ما قال أحد رؤساء الجامعات العربية الذين زاروا الكلية.
• هناك منجز مهم على المستوى البيداغوجي، وهو أننا منذ سنة 2003 انتقلنا من نظام تقليدي كان معمولا به في الكلية إلى نظام جديد، هو نظام يقتدي بالنظام الأنجلوسكسوني، وهو النظام الموجود الآن في أوروبا، الإجازة الماستر الدكتوراه، ويعتمد على نظام الفصول وليس نظام السنة ونظام الوحدات، وهو نظام خاص، والغرض منه أن نكون في نفس المستوى بالنسبة لمعادلة الشهادات بين الجامعات الدولية، وهذا منجز مهم جدا بدأنا فيه سنة 2003 وانتهينا منه هذه السنة 2008.
• على مستوى البحث العلمي، يمكننا القول إن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ساهمت مساهمة كبيرة في بناء التركيبة الثقافية بالمغرب، وذلك مثلا من خلال الأسماء المعروفة على الصعيد العربي والدولي كالجابري والعروي وغيرهما.
• المنجز الأهم أن كلية الآداب لم تبق منحصرة على إنتاج المعرفة للمعرفة، وهذا هو هدف كليات الآداب في العالم، بل مررنا إلى مرحلة أخرى، وهي المساهمة في التنمية، فأبحاث عدد من الأقسام تصب في مواكبة مجهودات التنمية الذي يقوم بها المغرب، فهي ليست أبحاثا نظرية محضة، بل هي عملية تطبيقية، والكلية اليوم ينادى على أساتذتها للمساهمة والمشاركة في مشاريع التمنية، سواء على مستوى التفكير، أوالتخطيط، أو الميادين الأخرى، وهذه أشياء يجب التأكيد عليها، لأننا كلية الآداب عندما تذكر عادة ما نفكر في الشعر والأدب والثقافة.... إلخ، أما اليوم فقد أصبح مطلوبا من الجامعة المغربية بصفة عامة أن تحتفظ بهذا وتضيف هدفا آخر هو البحث والتكوين على مستوى التنمية، هذا على مستوى البحث.. أما على مستوى التكوين فسيفتح هذه السنة تخصصا اسمه: الإجازة المهنية، والطالب سيتخرج في ميدان معين، فمثلا ستكون هناك إجازة مهنية للعمل في الحقل الاجتماعي ليس كأساتذة طبعا، ولكنهم سيعملون في مشاريع التنمية، بمعني أنهم فاعلون في التنمية، وهذه الإجازات ليست موجهة للمعرفة المجردة، وإنما موجهة لتوفير أطر تشتغل مباشرة في سوق الشغل على مستوى التنمية، ولهذا سميناها بالإجازة المهنية، وفتحنا هذا التخصص لكي نكون أطرا للإجابة على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهذه المباردة لها مخططات، ولها أموال، وتحتاج إلى أطر لتطبيقها، وهذا نوع من التكيف مع حاجيات السوق، ومع حاجيات البلد، وأظن أن هذه الأشياء يجب التأكيد عليها على مسوى كلية الآداب؛ لأنها تميزها على كليات آداب أخرى كلاسيكية.
الأستاذ أحمد العلوي أستاذ اللسانيات البنوية ومؤسس اتحاد اللسانيين المغاربة، قال للعربية:
• اشتد عود الدرس اللغوي في الجامعة المغربية بالضبط منذ سنة سبعين، ولكن قبل ذلك كانت هناك بوادر نشوء الدراسات اللغوية على يد أساتذة من أمثال الأستاذ أحمد الغزال وعبد الوهاب التازي وغيرهما، ثم جيلنا، وبعد ذلك ظهرت أجيال متعددة بعدنا، وهناك اتجاهات مختلفة عرفتها الجامعة اتجاهات تقليدية كانت منتشرة بين الستين والسبعين ثم اتجاهات بنوية ثم اتجاهات توليدية، واتجاهات ابستمولوجية، وجميع الاتجاهات عرفت في الجامعة المغربية.
• بحكم أنني مررت على جامعات عربية أخرى فإن رتبة الدراسات اللغوية في الجامعة المغربية هي رتبة عالية، بحكم أقدمية هذه الدراسات ويمكن تكاد توازيها في هذه الأقدمية الدراسات الموجودة في مصر، وما يميز الدراسات اللغوية في المغرب اطلاع القائمين عليها على الدراسات الغربية والمباحث اللغوية اللسانية الغربية، وأنهم يجمعون بين التراث العربي القديم وبين الدراسات المعاصرة، وهذه الدرسات تطورت خلال السنوات الماضية بحكم نشاط الأجيال الجديدة وهذه الأجيال ليست أقل من الأجيال القديمة بل أكاد أحكم بأنها خير من الأجيال القديمة نظرا للتراكم المعرفي المتواصل، وأجود المتأخرين أعلم من أجود المتقدمين.
• في تاريخ عملي اللغوي كنت في أول أمري من مدخلي اللسانيات البنوية سنة سبعين، ثم انقلبت إلى الابستمولوجية اللغوية إلى أن خرجت من الجامعة، ولا أحب أن أنتمي لاتجاه، أو أن أدافع عن اتجاه دون اتجاه، ففي سنة 1985 بدا لي حينما أنشأنا اتحاد اللسانيين المغاربة أنا وزميلي المرحوم أحمد الإدريسي أحد أمرين: إما أن نكون صحفيي لغويات، أو أن نكون لغويين، فاخترنا أن نكون لغويين، لا أن نكون صحفيي لغويات، صحفيو اللغويات هم قوم يمثلون التيارات الأجنبية في العالم العربي، فهم صحفيون إلا أنهم لا ينقلون أخبار الساسة؛ بل ينقلون أخبار اللغويين، فعوض أن نكون صحفيين ننقل أخبار اللغويين الغربيين، اخترنا أن نكون لغويين نمارس العمل اللغوي في المجال الابستمولوجي.
الأستاذ أحمد المتوكل رائد اللسانيات الوظيفية في العالم العربي، تحدث للعربية عن مشروعه اللغوي، فقال:
• فيما يتعلق بالدرس اللغوي في جامعة محمد الخامس، يمكن أن نقول: إنها كانت أول جامعة دخلها الدرس اللساني الحديث، ثم اقتفت أثرها جامعات أخرى كجامعة الدار البيضاء، وجامعة فاس، وجامعة مراكش، وغير ذلك من الجامعات المغربية المعروفة، وكانت بداية إدخال الدرس اللساني الحديث في أواخر السنوات الستين وأوائل السنوات السبعين من القرن الماضي، وكانت هذه الانطلاقة في شعبة اللغة العربية، وفي شعبة اللغة الفرنسية، فبعد أن كان السائد في شعبة اللغة العربية آنذاك تدريس علوم اللغة العربية القديمة، كالنحو والبلاغة والتفسير إلى غير ذلك، دخلت إلى هذه الشعبة نظريات لسانية حديثة، منها النظرية البنيوية، وكان إدخال هذا النهج في الدرس اللساني على يد الأستاذ الدكتور تمام حسان، ثم بعد ذلك أدخلت إلى نفس شعبة اللغة العربية النظرية التوليدية التويلية وكان إدخالها على يد الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، وكان التدريس في جامعة محمد الخامس في شعبة اللغة العربية بالذات يضطلع به ثلة من الأساتذة الأفاضل كالأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، والأستاذ إدريس الشغروشني، والأستاذ أحمد الإدريسي، والأستاذ أحمد العلوي، إلى غير ذلك كل في تخصصه، ثم في مرحلة ثالثة أدخلت نظرية النحو الوظيفي وكان إدخالها على يد عبد ربه، ثم انتقلت هذه النظرية إلى جامعات أخرى، وهنا أشير إلى أن ما كان يدرسه عبد ربه في شعبة اللغة الفرنسية من وظيفيات كان يخص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حتى وهو يدرّس بالفرنسية فقد كان الاهتمام منصبا على قضايا اللغة العربية أو بعض الدوراج كالمغربية أو المصرية أو السورية إلى غير ذلك.
• قوربت ظواهر اللغة العربية من منظور النحو الوظيفي في إطار مشروع ذي شقين: مشروع إعادة قراءة التراث اللغوي العربي القديم خاصة الجانب البلاغي منه حيث ركز الإهتمام على أقطاب مثل الجرجاني والسكاكي وغيرهما، والغرض من إعادة هذه القراءة هو تلمس عدم القطيعة المعرفية، أو تلمس التواصل الممكن، أو الحوار الممكن أن يقوم بين الفكر اللغوي العربي القديم وبين اللسانيات الحديثة، وقد أثمر هذا الشق الأول من المشروع مجموعة من الدراسات عن ظواهر لغوية عربية معينة، كظاهرة الأمر والنهي، وظاهرة الاتصال والانفصال، وظاهرة الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وظاهرة المبتدأ المؤخر، والمبتدأ المقدم، وغير ذلك من أبواب النحو العربي، التي أعيد صوغها في قضايا، وهي القضايا التي يضطلع النحو الوظيفي في أحدث نماذجه برصدها، ووصفها، ودراستها.. الشق الثاني من المشروع الوظيفي في العالم العربي هو دراسة الواقع اللغوي في العالم العربي، والواقع اللغوي في العالم العربي واقعان: واقع لغوي صرف، أي اللغات المتواجدة في العالم العربي، وعلى رأسها اللعربية الفصحى، ومعها العربيات الدوراج، على أساس أن العربيات الدوراج تحول، أو تطور لهذه العربية الفصحى، تطور يجب على كل دراس لساني أن يرصده، وأن يفسره، وأن ينظر له، وفي هذا الفرع من الشق الثاني قدمت مجموعة من الدراسات في جامعات مغربية، وفي جامعات أخرى عربية، لدراسة ظواره اللغة العربية، ودراسة تطور تلك الظواهر من عربية فصحى إلى دوراج، والهدف من دراسة ظواهر اللغة العربية فصحى ودوراج من هذه المنظور هو دراسة العربية على أساس أنها لغة طبيعية، كغيرها من اللغات، لا على أساس أنها لغة خاصة، تستلزم نحوا خاصا، ونظرية خاصة، كما كان يزعم بعضهم في بدايات دخول الدرس اللغوي إلى العالم العربي.. الواقع الثاني: وهو ما يمكن أن نسميه الواقع القطاعي، والواقع القطاعي: هو مجموعة المجالات التي تستخدم فيها اللغة العربية، سواء أكانت اللغة العربية الفصحى أم اللغات الدوراج المتواجدة في العالم العربي، وحاول اللسانيون الوظيفيون في المغرب، وفي غير المغرب، أن يصفوا ويفسروا مجموعة من الظواهر القطاعية من نفس منظور نظرية النحو الوظيفي، وفي هذا الإطار قيم بدراسات، في جامعات مغربية على الأخص، في تحليل النصوص بمختلف أنماطها، النص السردي، والنص العلمي، والنص الإبداعي، والنص الحجاجي، إلى غير ذلك، وعني كذلك بقطاع آخر، وهو قطاع تعليم اللغات، خاصة اللغة العربية، من منظور وظيفي، وهناك قطاع آخر هو قطاع الاضطرابات اللغوية النفسية، وفي هذا المجال الذي نعتبره ذا أهمية قصوى بالنسبة للبحث العلمي ككل، قام طلبة وطالبات من جامعة محمد الخامس بدراسات لخطابات مرضية، وكان قصدهم وقصدهن في هذه الدراسات أن يرصدوا أولا الاضطرابات اللغوية، مستعملين آليات نظرية النحو الوظيفي، وربط هذه الاضطرابات اللغوية بالاضطربات النفسية التي تثوي خلفها.

الأستاذ سعيد يقطين أستاذ الأدب الحديث، والنقد الحديث، وأحد رواد الاتجاه الحداثي في الأدب العربي المعاصر.. حدثنا قائلا:
• في هذه الكلية كان هناك تقليدان أساسيان، التقليد المعمول به في الجامعات المشرقية بالأخص في مصر، والتقليد الثاني هو نموذج الكليات الفرنسية، ولقد تم السعي إلى الاستفادة من هذين النموذجين، على مستوى الدراسات الأدبية واللغوية، فكان الحضور قويا من جهة لكليات الآداب في المشرق العربي، حيث كان هناك العديد من الاساتذة من المشرق، من مصر، من سوريا، من العراق، وهؤلاء هم الذين حاولوا تأسيس الأرضية الأولى للكلية في المغرب، هذا علاوة على الأساتذة المغاربة الأوائل، الذين تلقى معظمهم تكوينا في جامعات عربية.. بالنسبة للجانب الفرنسي سيظهر في فترة متأخرة، ومنذ أواخر الستينات وبداية السبعينات بدأ الإحساس بأن التقليد الجامعي المعمول به في المشرق، وبالأخص الذي كان نموذجا في وقت التأسيس، لم يعد ملائما؛ لأنه تمت الملاحظة بأنه يعتمد أولا على المعرفة العامة والواسعة، وثانيا على الإنشاء، أي أن الطالب مطالب بقراءة كتب، ومطالب بأن تكون عنده كم من المعلومات، وما بدأ الإحساس به منذ أواسط السبعينيات، هو أن الطالب أصبح، فقط ، آلة لاجترار ما تلقاه داخل الجامعة، وبالتالي ليس هناك حضور أساسي للطالب، وحتى على صعيد البحث ظلت الرسائل الجامعية عبارة عن تحقيق، أو دراسات في تاريخ الأدب، بمعناه القديم.
• إذن في منتصف السبعينيات بدأ الإحساس بضرورة التغيير على مستوى المقررات، وعلى مستوى الشهادات، وكان النموذج هنا هو الكليات الأجنبية وبالأخص الفرنسية، فتم إدخال مادة تحليل النصوص لكي تصبح مادة أساسية، أي أن يكون للطالب حضور في معرفة النص في قراءته، فتعطى لتحليل النصوص أهمية خاصة، وأيضا فإن تحليل النص طبعا يستدعي المنهج، فلكي نحلل نصا لابد لنا من إعداد تصور متكامل للنص، عكس ما كان سابقا في تاريخ الأدب، حيث هناك معلومات يتم سردها، ووصفها، والخروج بخلاصات،... إلخ، إذن فمنذ أواسط السبعينيات بدأت كلية الآداب في المغرب، وفي الرباط بشكل أساسي، تتميز عن كل الجامعات في العالم العربي، حيث أعطت أهمية خاصة للمناهج في الدراسة الأدبية، ولتحليل النصوص، وبالتالي سيتم الاستعانة بالمرجعية الأجنبية، وبالأخص الفرنسية، في تحليل النصوص، ومنذ ذلك الوقت سواء على مستوى الدرس الأدبي، أو على مستوى الدرس اللساني، ستظهر حصيلة هذا التوجه الجديد، على مستوى ظهور اتجاهات في كلية الآداب، فعلى مستوى الدرس اللساني ستظهرت اللسانيات التوليدية مع عبد القادر الفاسي الفهري، واللسانيات الوظيفية مع أحمد المتوكل، وسيشكل هذان الاتجاهان القطبان الأساسيان للمدرسة اللسانية في المغرب، نفس الشيء يمكن أن نقوله عن الدراسة الأدبية، حيث إن البنيوية التكوينية منذ أواسط السبعينيات سيكون لها موقع هام، وسيبدو ذلك من خلال العديد من الرسائل في دبلوم الدراسات العليا، التي وظفها الطلبة الذين كانوا يشتغلون في الأدب، خاصة في تخصص الأدب الحديث.
• هذه المرحلة هي التي ستؤسس للمرحلة اللاحقة، وهي مرحلة الثمانينات، حيث ستحتل البنيوية بمختلف تجيلياتها مساحة هامة جدا في الدرس الأدبي في المغرب، وأحب التنويه هنا إلى أنه منذ بداية الثمانينيات سيظهر تخصص جديد، وستكون كلية الآداب بالمغرب بالرباط، وعلى الصعيد العربي سباقة فيه، وهي إدخال مادة السيميائيات، كمادة جديدة لدراسة النص الأدبي من منظور جديد، وفي هذه الصيرورة ستظهر رسائل عديدة لباحثين شباب، آنذاك، حاولوا الاستفادة من المناهج الجديدة في الدرس الأدبي، وهذه المناهج الآن صارت معروفة، ومتداولة في العالم العربي بصفة عامة.
• المرحلة الثالثة في هذه الصيرورة هي أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، حيث وجدنا أنفسنا أمام ضرورة تجديد هيكلة التعليم بصفة عامة، وهذا الاصلاح الجديد هو الآن قيد العمل؛ لأنه يتماشى مع الأنظمة الجديدة على الصعيد العالمي، لأن الحفاظ على نظام دكتوراه الدولة بشكله القديم، طرح علينا مشاكل عديدة مع الطلبة الذين يحصلون على شهادات جامعية عليا من كليات أخرى، علاوة على أنه يمكننا القول إن النظام القديم قد استنفذ كل شروطه؛ لأنه كان وليد تأسيس، ووليد مرحلة كان المغرب فيها في حاجة إلى الأطر، ومايزال فيها في حاجة إلى الموظفين الذين هم خريجوا كليات جامعية، مع هذا النظام الجديد سيتم تغيير كل شيء، واذا كان التغيير قد تم على الصعيد التقني، وعلى الصعيد الشكلي، فإن المحتوى يمكن أن نقول إنه الآن متذبذب، بين ما كان في المرحلة السابقة، وما هو قيد التفكير فيه ليتحقق في المستقبل، وعل كل حال يمكن أن نقول: إننا الآن أمام مرحلة جديدة، وهذه المرحلة الجديدة تتطلب وعيا جديدا بدور اللغة، بدور الأدب، بدور كلية الآداب بصفة عامة على صعيد المجتمع، ويبدو لي أن الإصلاح هذه أهميته، وهو أنه بصدد دفع الأساتذة والباحثين للتفكير في فهم جديد للآداب، وفهم جديد لوظيفة كلية الآداب.
• حاولت الانهماك في الدرس الأدبي، في علاقتي بالطالب، وفي علاقتي كذلك بالساحة الثقافية، ومن خلال كذلك مواكبتي للمستجدات في بعض الجامعات العالمية، وهذه المرحلة الجديدة تتطلب؛ لأنها جاءت متزامنة مع التطور الذي حصل على مستوى التكنولوجيا للمعلومات والتواصل، وفي كتابي الأخيرين (من النص إلى النص المترابط) و(النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية) أحاول أن أفكر في ما يمكن أن تقدمه لنا هذه الوسائط من أدوار جديدة، لأن ظهور مرحلة جديدة، وهي المرحلة الرقمية، أول تحدٍّ تفرضه علينا، هو أن المعلومات لم تبق مهمة بالنسبة للطالب، وبالنسبة للباحث، فهي موجودة بشكل كبير جدا، فما كنا مثلا في السبعينيات، أو الثمانينيات، نعجز عن الحصول عليه من مقالة لباحث، أو عدد من مجلة متخصصة، الآن هذه المواد تجدها موجودة وبكثرة، إذن هذا هو التحدي الأساسي، كيف يمكننا أن نواكب هذه المستجدات، ونستوعبها في أقرب وقت، ونعمل على ترجمتها في مشروعنا الأكاديمي، والثقافي والعلمي الجديد؟، هذا هو التحدي، ولكن الشروط ليست متوفرة له الآن؛ لأن الجامعة منذ التسعينات لم تطعم بدماء شابة جديدة، ويبدو لي أنه هذا هو الشرط الأساسي الأول لأي تحول، فما يزال أغلب الأطر هم من دخلوا الجامعة إما في الستينيات، أو في السبعينيات، أو في الثمانينيات، وهم الذين يشكلون القاعدة، وهؤلاء تطبعوا بطباع تقنية، وتربوية، وأكاديمية، وعلمية أخرى، ولذا فأول شرط أضعه هو التجديد بالدماء الشابة على صعيد الجامعة، لأن هذا هو العنصر الأساسي الأول، وما تبقى من عناصر يمكن أن تأتي عبر نقاش جديد وجذري لمعرفة هذه الصيرورة، وآفاق هذه الصيرورة الجديدة، والدرس الأساسي الذي يمكن أن نخرج به هو أننا أمام مرحلة جديدة، وهذه المرحلة الجديدة علينا أن نفكر فيها بطريقة جديدة، وألا نكتفي بأخذ ما تراكم لدينا، ومحاولة إقحامه في المرحلة الجديدة.
الأستاذ قاسم الحسيني، أستاذ الأدب العربي القديم.. تحدث عن دور الأدب العربي القديم في المشهد الثقافي المغربي، ومكانته ضمن الاصلاح الجديد الذي تعيشه الجامعات المغربية حاليا.. فقال:
• المكانة التي يحظى بها الأدب العربي والنقد العربي في هذه الكلية مكانة عالية جدا، ومن مظاهر هذه المكانة عدد الأطروحات التي تناقش داخل هذه الكلية، والتي تتراوح بين ثلاثين إلى أربعين أطروحة دكتوراه في السنة، وهذا يفسر أيضا الحضور المكثف للأدب العربي والنقد العربي في الفضاء المعرفي بشكل عام في المغرب، حيث هناك إسهامات تنطلق من هذه الكلية في المجلات والندوات والمحاضرات، فقسم اللغة العربية يمكن اعتباره مشعلا رائدا يصحبك إلى فضاءات أخرى خارج الكلية، كما في الأندية الأدبية مثلا في الرباط وخارجه، كما أن قسم اللغة العربية أيضا قام بدور مهم في ترسيخ الثقافة الأدبية والنقدية في الثقافة المغربية بشكل عام، ولكنّ هذه الاصلاحات الجديدة التي بدأنا نرى طلائعها، ونحس بمظاهرها، أساءت نوعا ما إلى هذا التطور، الذي كان سائدا في قسم اللغة العربية وآدابها؛ لأن الإصلاح الجديد مس جوانب من البحث العلمي، فهو فقط يراعي تطبيق حصص معينة، وتطبيق برنامج معين، ولم يترك فراغا للباحث ليتفرع إلى موضوع معين، ويبحث، وهذا هو النقص الذي جاء به الإصلاح الجديد، ومع الأسف فالكلية كانت في إطار النظام القديم متطورة، ومزدهرة بأطرها، وبأنشطتها، والأدب العربي القديم (مشرقي ومغربي وأندلسي) كان حاضرا بقوة عبر المتخصصين، ونحن الآن في اكتمال واكتفاء ذاتي على مستوى البحث، وعلى مستوى التأطير، ومن قبل كانت هناك حاجة لمتدخلين من خارج الكلية، أما في هذه العشرينيات الأخيرة فقد رأينا استقلالية تامة، وأطرا كفؤة، تحاول أن تطبق برنامجها، وترسخ ثقافة الأدب العربي القديم، التي من مظاهرها الإقبال الكبير من الطلبة على تخصص الأدب القديم.
• في السبعينيات والثمانينيات كانت هناك موجة انساقت مع الأدب الحديث، والمناهج الحديثة، كالمناهج البنيوية، ودروس غولدمان، ... إلخ، ولكن هذه الموضة انقضت، وأصبحت في خبر كان أمام قوة جذور الأدب القديم، بمعنى أن هناك ردة قوية جدا للاهتمام بالأدب القديم، والبحث في ثناياه، وفي خصائصه، وفي جزئياته، وهذا لا يعني أن المناهج الحديثة ليست حاضرة، ولكنها حاضرة للاستئناس ليس غير.. فهذه هي المكانة الرائعة والقوية للأدب القديم في الحركة الأدبية المغربية بشكل عام.
• بالنسبة لمساهمة أساتذة اللغة العربية في الثقافة المغربية والعربية بشكل عام فقد ساهمت شخصيا إسهاما متواضعا حيث أصدرت ثلاثة كتب بين 2005 و 2008 كلها تصب في اتجاه الأدب القديم، ولكنها في نفس الآن جعلتها تستفيد من المناهج الحديثة، ليس بشكل تلقائي، ولكن وظفت هذه المناهج في بعض القضايا التي أراها صالحة لتطبيق هذه المناهج، إلى جانب مساهمات زملائي حيث هناك أساتذة كتبوا وصدرت لهم مؤلفات كثيرة جدا، لا أستطيع أن أحصيها، مما يعني أن المساهمة هي مساهمة متنوعة.. وقد كتبت عن الأدب المغربي القديم، والأدب الأندلسي الذي أعتبره أدبا قديما أيضا، ولم أكن أتحدث عن الأدب الأندلسي في إطار ضيق، وإنما كنت أنظر إليه باعتباره نتيجة أدب وافد، استقر في الغرب الإسلامي، ثم كيف تبلور هذا الأدب، وكيف تطور إلى أن اكتسب شخصية مستقلة، ولكن لها جذور من الأدب المشرقي، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن قصيدة جميلة بالأندلس، دون أن تربطنا هذه القصيدة بشاعر مجيد مبدع بالمشرق، كالمتنبي والبحتري وأبي تمام وغيرهم، ولكن هذا لا يعني أيضا أن هناك تبعية مطلقة، كما يحلو لبعض الدراسين للأسف الشديد أن يصورها، ولذا فقد كان اهتمامي بالأدب الأندلسي القديم بمنظور جديد؛ لأنه لا يقف عند حدود الظاهرة الأدبية، وإنما يربطها بمحيطها، وبتفاعلات مختلفة.
• ظهرت في قسم اللغة العربية أيضا اهتمامات أخرى عند بعض الزملاء، حيث اهتموا بالأدب المشرقي، شعرا، ونثرا، إلى جانب الأدب المغربي القديم الذي أخذ الحيز الأكبر من الاهتمام، وقد عرف الأدب المغربي القديم قفزة كبيرة جدا، لا أقول كمية، ولكن نوعية أيضا، وقد قاد هذا المسار أستاذ الجيل الدكتور عباس الجراري، فهو مؤسس المدرسة الأدبية المغربية، بشعرها، ونثرها، ونقدها، فإلى حدود تأسيس الجامعة لم يكن هناك أدب مغربي معروف، وقد كان الفئة المثقفة والطلبة يعرفون كل ما يدور في المشرق، ولا يعرفون عن الأدب المغربي الكثير، إلى أن جاء الأستاذ الجراري المؤسس للمدرسة المغربية، فاكتشف من خلال عمله ومن خلال طلابه الذين كان يشرف عليهم، وكنت أنا واحدا منهم، وأبرز الخصوصيات المغربية في الأدب المغربي القديم، والآن لدينا كم هائل من الإنتاج من الرسائل، والأطاريح، والمؤلفات، التي تهتم بالأدب المغربي، وأدب الغرب الإسلامي أيضا، وهنا أفرق بين المصطلحين: المغربي، الذي هو المغرب الأقصى، والغرب الإسلامي، الذي يشمل كل شمال أفريقيا، ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، إضافة إلى أدب الصحراء الذي تأخذ فيه موريتانيا حيزا مهما.
• الآفاق المستقبلية للأدب العربي القديم في شعبة اللغة العربية بكلية الآداب بالرباط لا تنبئ بخير، وفي ظل المنظومة الاصلاحية الجديدة نتمنى أن يحصل تغيير في هذا الجانب، ومع الأسف الشديد فإنه إذا لم يحصل تعاون بين الجهات المسؤولة عن التأطير والباحثين، ربما سينفلت هذا الزمام، ونحتاج إلى فترة طويلة لترميم ما يمكن أن يحصل بعد أن ينفلت الزمام، وحتى لا نكون متشائمين دعني أقول لك: إن هناك جهات، وهناك فئات، وهناك عناصر داخل القسم، تعمل على ألا يضيع منها زمام النهضة الأدبية القديمة، وإن كنت أتخوف، وتخوفي ناتج عن عاملين أساسيين: أولهما، من إصلاح المنظومة التربوية الجديدة، وبما أتت به من سلبيات، وثانيهما، وهو الأساس، أن المجال الأدبي بشكل عام، وفي كليتنا بشكل خاص، بدأ الطلاب في الابتعاد عنه؛ لأنهم يبحثون عن تخصصات تفيدهم في حياتهم، وتيسر لهم سبل العمل، لذلك يبتعدون عن التخصصات الأدبية، ويبحثون عن تخصصات تقنية؛ لتمكنهم من الحصول فيما بعد على عمل، فالفرص الموجودة في المجال الأدبي ليست بالشكل الذي توفره التخصصات التقنية، أو الحقوقية الأخرى، ولذلك أخشى من أن يحدث تراجع في الاهتمام بالأدب العربي القديم، وأنا أدعو للاهتمام به؛ لأنه اهتمام بالأصول، وباللغة، واذا فرطنا في الأدب فقد فرطنا في أصل من أصول لغتنا، ونكون بذلك قد انسقنا وراء الغايات التي يسعى إليها بعض المستشرقين، فبعض المستشرقين كانوا يسعون إلى تشكيكنا في لغتنا القديمة، والدخول من هذا التشكيك إلى تشكيكنا في ديننا، ولذلك لابد من التمسك بالأدب العربي القديم، ولغته؛ لأن في هذا التمسك صيانة للغة، وصيانة للكيان، وللهوية العربية.
-----------
نشر في مجلة العربية العدد 35 السنة الثالثة ذو القعدة 1429 هـ نوفمبر 2008 م .

29 يناير، 2009

المفكر الإسلامي أحمد أبومزيريق

المفكر الإسلامي أحمد أبومزيريق :
كتب الحديث ليست كتب دين ، وكتاب الدين في الإسلام هو القرآن
ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان خرافة
حاوره/ علي رشدان (*)
هو من بين علمائنا الأفاضل الذين كان لهم دور بارز ولازال في نشر الثقافة الدينية السليمة التي تحارب الخرافة والظواهر السلبية في المجتمع، ومنذ أن بدأت انطلاقته إماماً ومدرساً للقرآن بمسجد المغاربة آل على نفسه القيام بهذه الرسالة، وهي أن على العلماء واجبا تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، هو الإصلاح والتوعية، ولهذا واصل السير في خطين متوازيين جانب التعليم وجانب الإمامة، وهي طريق اختاره لتحقيق ما يهدف إليه من توعية وتثقيف وتعليم، وكلها حمل ثقيل كما يصفه، وله في مجال البحث والتأليف العديد من الأبحاث والرسائل في جوانب الفكر والحديث والفقه الإسلامي، ولعل مجهوده الأكبر خصصه لتفسير القرآن الكريم والذي استمر لمدة عشرين سنة من سنة 1973 وانتهى من كتابته سنة 1993 وهو بعنوان (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) تحت الطبع حالياً.إنه الأستاذ الشيخ / أحمد عبدالسلام محمد أحمد أبومزيريق- التقيته في جلسات متعددة وكان معه هذا الحوار في فضاءات فكرية مختلفة تلقي بعض الضوء على توجهاته وأفكاره وسيرته الذاتية العلمية.. يقول الشيخ أحمد أبومزيريق:.• تعلمت على أيدي كثير من العلماء والمشائخ واستفدت من الجميع، ولكن أول من علمني كان الشيخ علي الشريف المغربي (بالرشيمة ثم الحرف ثم الملّة) ثم أرسلني والدي إلى زاوية البي المشهورة في مصراتة. وحفظت القرآن على فضيلة الشيخ المربي علي أحمد حسن المنتصر شيخ الزاوية، (كان ذلك سنة 1940م تقريباً). كان رجلاً فاضلاً ورعاً محباً للعلم ومشجعاً عليه.. وكنت أتردد على بعض حلقات العلم التي يقيمها بعض المشائخ في الزوايا والمساجد لدراسة علوم اللغة والفقه وغيرها، أذكر منهم: الشيخ الطاهر اسبيطلة وكان يعمل في القضاء بمصراتة سنة 1945، 1946 ودرست على الشيخ محمد علي السهولي ما يقارب الخمس سنوات من سنة 1945 وحتى سنة 1950 بعض العلوم الشرعية واللغوية بمسجد رأس علي حيث كان إماما بهذا المسجد، كذلك حضرت حلقات الدروس المسائية التي كان يلقيها الشيخ مفتاح اللبيدي من سنة 1948 وحتى سنة 1950 بجامع الشيخ، كذلك حضرت كمستمع لحلقات الدروس التي كان يلقيها الشيخ محمد حسن عبدالملك في بيته، وكانت تضم كثيراً من المشائخ أذكر من بينهم الشيخ أحمد جهان والشيخ مصطفى بن عثمان، كنت صغيراً وقتها أرافق الشيخ السهولي لهذه الدروس. ودخلت معهد القويري الديني سنة 1955، وفي سنة 1956 تحصلت على الشهادة الابتدائية، وفي سنة 1959م افتتح الأزهر قسماً ثانوياً بالمعهد، فالتحقت به وتخرجت منه سنة 1964، وكان من بين الشخصيات العلمية التي أثرت في مسيرتي خلال فترة دراستي بالمعهد الشيخ عبدالحميد شاهين لما يملكه من سعة اطلاع وحسن توجيه واهتمام بالقضايا التي يعيشها المجتمع، وكان للشيخ دور كبير في توجهي الوجهة الصحيحة والسليمة، المتمشية مع العقل السليم والنقل الصحيح، وقد كان لخطبه وآرائه عظيم الأثر في طلبة المعهد، الأمر الذي جعلنا نلتف حول الشيخ مكونين تياراً جرف في طريقه الكثير من الخرافات والأوهام والانحرافات التي كانت تسيطر على العقول على اعتبار أنها دين، وهي في الحقيقة لا تمت إلى الدين بأي صلة، بل هي أوهام غطت الفكر السليم بسحابة التقليد والجهل.. ثم التحقت بالجامعة الإسلامية بكلية أصول الدين وحصلت منها على الشهادة الجامعية سنة 1968، ومن بين الأساتذة الذين أعجبت بهم وتأثرت بهم الشيخ الدكتور محمد السماحي الذي له أثر كبير في توجهي وتعمقي في دراسة التفسير، وقد كان يعتمد الحرية العقلية ويحارب الخرافة، يدرس النص القرآني في ضوء روح ومنهجية إسلامية صافية سليمة، ويمحص النقل في ضوء النص القرآني، حتى تظهر حقيقته واضحة جلية، وبعد تخرجي ذهبت إلى الجغبوب لمواصلة الدراسات العليا، وكنت خلال ذلك ألقي بعض الدروس في معهد البعوث في الجغبوب إلى نهاية سنة 1969 حيث رجعت إلى مدينة البيضاء بعد أن توقفت الدراسة هناك، وواصلت مسيرتي في سلكي التعليم والإمامة.
• المالكية ليست مذهباً كبقية المذاهب الأخرى التي اتبعت اجتهاد أشخاص عُرفوا بالعلم والاجتهاد، وإنما هي مدرسة متكاملة اهتم بها ودوّن أفكارها وأصولها الإمام مالك –رحمه الله- وليست اجتهاداته الشخصية.. فهي عمل أهل المدينة فهي عمل جماعي وليست اجتهادا فرديا، وهذا من أهم القواعد الأساسية في المدرسة المالكية، والتي وصلتنا عن طريق التواتر ولازالت مستمرة حتى الآن. والمطلع على الفقه وعلومه يعلم ذلك جيداً.. فالموطأ ليس كتاب فقه وإنما هو كتاب أصول فقه، يبحث في الحديث وهو متقدم على الرسالة للإمام الشافعي.. الذي عُرف بأنه كتاب أصول، لكن الموطأ حتى ولو لم ينص على أنه كتاب أصول فهو أقدم منه ككتاب أصول، وكما نعلم فإن الإمام الشافعي تلميذ للإمام مالك.. والموطأ كتاب للحديث هو غربال استبعد كل الأحاديث المشكوك فيها لكن كتب الأحاديث الأخرى الموسومة بالصحاح.. هي جمع للحديث رغم ما بذل فيها من جهود، فما ورد فيها صحيح باعتبار المجموع وليس الجميع، فليس كل ما ورد فيها صحيح.. ولأهمية كتاب الموطأ أفردت له رسالة بحثية أسميتها (كشف المغطى عن حقائق الموطأ) بينت فيها مكانة الكتاب وأهميته، وأيضاً أهمية ومكانة (المدونة) والتي هي خلاصة الفقه المالكي وتعتبر دائرة معارف فقهية ومنهج جامعة الإمام مالك.
• التصوف المبني على الدروشة والأوهام مرفوض، وكلمة التصوف في حد ذاتها كلمة دخيلة لم يعرفها المجتمع الإسلامي الأول –عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم- وهم من شملهم الحديث (... خير القرون...) والخير كله في إتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوه فعلناه وما تركوه تركناه.. كما يقول العلماء، والقاعدة: أنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع على الوجه الذي شُرع. أما إذا قصد بالتصوف تزكية النفوس وتطهيرها من الزيغ والأهواء، فهو مقصود الإسلام ومبدأ من مبادئه وهدف من أهداف تنشئة وتكوين المسلم الصادق.. فإذا كان الإسلام انقياد ظاهري فإن الإيمان انقياد باطني ويكون الإحسان هو إخلاص العمل لله، ولا يفسر بشيء خارجي، فالإخلاص شرط لقبول عمل المسلم، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له سبحانه، وكان ذلك طريقة عمل الصحابة –رضوان الله عليهم- ولو فتحنا الباب أما كلمة التصوف وقبلناها على إطلاقها فإننا نفتح الباب أمام كثير من العادات والتقاليد التي تخص شعوباً متعددة، دخل أهلها الإسلام زمن انتشاره بعاداتهم وتقاليدهم، وقد بحث هذا الموضوع كثير من العلماء، ولهم فيه أبحاث ورسائل أفردوها لهذا الموضوع، من بينها منظومة بعنوان (الطريقة الشرعية وبراءتها من الطرق المنحرفة وضلالاتها) للشيخ عبدالرحمن الأخضري المغربي التونسي المالكي، وهي منظومة مهمة في هذا الجانب لمن أراد الرجوع إليها.
• سلِّم نفسك للقرآن وهو الذي يتولى توجيهك الوجهة السليمة لفهمه.. أما إذا أتيت للقرآن بأفكار سابقة لتفهم من خلالها القرآن، فإن ذلك سيقودك ولا شك إلى فهم قاصر، ومن هنا كانت تسميتي للتفسير (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) لأن الإنسان دائماً يقف في مفترق الطرق ويكون جاهلاً إلى ما تؤدي إليه هذه الطرق، فلو سار في كل طريق فترة ثم رجع إلى نقطة انطلاقه فإن ذلك سيستهلك عمره في ما لا يعني، وقد لا يصل مطلقاً إلى مبتغاه، وحتى لو افترضنا أنه سيصل فإن فترة من أهم فترات عمره قد أضاعها، وبذلك تكون ثمرة الوصول لم تأت كما رغب واشتهى، لكن عندما تجد من يوجهك فإنه في الحقيقة قد اختصر عليك الطريق وذلك على جادة الصواب التي يبحث عنها كل إنسان مجتهد يرغب الوصول.. وبذلك ترك لك أكبر فرصة لتحقيق ما عجز عنه غيرك ممن ترك لنفسه أن تبحث عن الطريق بمفردها.. والتوجيه لا يكون نهاية المطاف بل هو الدليل على الطريق وعلى قدر العزم والاجتهاد يكون الوصول، وقد اخترت هذا النهج عند تفسيري للنص القرآني، فلم أدخل على هذا النص بأي أفكار سابقة لمفسرين أو غيرهم، ففهم النص يحتاج إلى فهم اللغة العربية بأساليبها وبيانها، ونظرة سليمة بعيدة عن الخرافة، وعقل ناضج، وفهم للآيات وسياقها وما تهدف إليه، وبهذا يتأتي لك فهم النص.
• القرآن معجزة دائمة لأنه يحمل إعجازه داخله في ذاته، على خلاف المعجزات المادية التي أيدت الرسل الآخرين غير رسولنا محمد –صلى الله عليه وسلم- فالمعجزة المادية ارتبطت بزمانها ومكانها وبشخصية الرسول المؤيد بها، فأين ناقة صالح وعصا موسى ومعجزات عيسى وغيرهم، انتهت بانتهائهم، ولم يبق إلا القرآن معجزة خالدة ومتجددة لكل عصر في تحدٍ دائم لكافة البشر تطالبهم باتباع المنهج الإلهي وعبادته –سبحانه وتعالى- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى...) فالمقصود بالظهور هنا هو الخروج للوجود والمقصود بالذرية الطفل، فهذه الشهادة تتجدد بتجدد الحياة يومياً وليست خيالية تتم في عالم الدور كما ذهب المفسرون، فاستخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يقابل العبودية والخضوع له، إذن الإعمار لابد وأن يخضع لأمر الله وأن يكون داخل إطار المنهج الإلهي، فالعبودية في معناها طاعة وانقياد لأمر الله، وأمر الله في كتابه، ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- بلغ هذا البلاغ الكامل (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناَ...) ومن هنا كان القرآن منهجاً للحياة ينظمها تنظيماً دقيقاً سواء في علاقة الإنسان مع ربه وخالقه أو في علاقته مع غيره من أفراد جنسه أو في علاقة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ...)
• القرآن يعالج الإنسان علاجاً نفسياً إذا آمنت به إيماناً مطلقاً وصادقاً شفاك من جميع الأوهام، أما علاج البدن فله علاج آخر هو الدواء، لأنه علم إنساني يدرك بالتجارب وتوالد المعارف فهو نتائج ومقدمات، والقرآن كشف لنا أموراً غيبيةً لا يمكن أن يدركها الإنسان مهما مر من زمن، فلا يمكن الوصول إليها بالتجارب لأنها فوق إدراك العقول، ومن هنا نعلم أن نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- ليس طبيباً يداوي الأبدان وإنما رسول يبلغ ما أنزل إليه من ربه.. أما ما يتبعه البعض ويبحثون عنه في كتب السير وبعض الأحاديث ويسمونه (الطب النبوي) فهي تجارب عصرها، وعلينا كمسلمين أن نعيش تجارب عصرنا وتطوره ولا نسلم أمرنا لغيرنا.
• استخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يحتاج إلى تنظيم فلو تركت الأمر بدون تنظيم محكم لعمت الفوضى وضاع الهدف من الاستخلاف، ولو تُرك الإنسان لتحكيم عقله فقط بدون منهج إلهي لضاع رغم هذه الميزة التي حباه الله بها، وانظر إلى سيدنا آدم في أول تجربة يخوضها بشر.. فقد خالف الأمر واستمع إلى نداء نفسه فغره الشيطان فزل، لكنه تذكر فتاب، فكلما كان الإنسان تحت الأمر افعل ولا تفعل يتصرف داخل المنهج يكون قوياً.. ويتصرف بحكمة.. وهذه ولا شك طريقة تقود إلى تحقيق الهدف المنشود من الحكمة الأزلية التي خُلق الإنسان من أجلها وهي العبادة والطاعة، وتجربة آدم تتكرر على الدوام، فكلما تحكّم في الإنسان عامل الشهوة كان سهل الانقياد والاستدراج للسقوط، لكن التجربة لم تتوقف عند هذا الأمر بل تذكر فتاب فرجع إلى جادة الصواب، لكن البشر الذين تتوقف بهم التجربة إلى السقوط فقط ولا يحاولون الخروج تكون نهايتهم سيئة ويكونون قد وقعوا في حبائل الشيطان لعنه الله (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...).
• السياسة لابد وأن تكون داخلة تحت المنهج الذي استهدف تحقيق أمرين: عبادة الله وحده وطاعته في ما أمر به ونهى عنه، وإعمار الكون.. وسياسة الأمر ليس لها شكل خاص يقاس عليه، فهي تتعدد وتتغير وفق الزمان والمكان، ولكن يجب أن يراعى فيها تحقق الأمرين اللذين أشرنا إليهما وفق قاعدة كل ما فيه صلاح المجموع مطلوب (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...) والشورى تحتاج إلى مناخ من الحرية لإبدائها لأن المسؤولية هنا جماعية، ولابد أن ينظر للحكم في الإسلام على أنه ليس عقيدة ولا عبادة، لأنها أمور دنيوية طبيعية، فالأمر الطبيعي النتيجة فيه نتيجة مباشرة، أما الأمر الديني فلابد فيه من وجود أمر واضح صريح (افعل ولا تفعل) والنتيجة والعقاب أخروي.. ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- لم يأمر باتباع طريقة معينة وإنما كان يشاور الصحابة فقد يتفقوا وقد يختلفوا كما حدث في معركة أحد، ولهذا نجد الصحابة –رضوان الله عليهم- قد تعددت طرق الاختيار عندهم لولاة الأمر، فالمسألة إذاً مسألة اجتهادية دنيوية، وتعددت أشكالها وطرقها ولا يمكن حصرها في شكل وطريقة واحدة مع مراعاة الزمان والمكان.
• كان الإيمان في صدر الإسلام إيمان فطرة سليمة لا يحتاج إلى جدل وإعمال فكر، وإنما انقياد وتسليم مطلق لما أمر به الله وجاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولهذا لم تظهر في هذه الفترة مشكلة الجبر والاختيار أو غيرها من القضايا التي تحتاج إلى شحذ الذهن وإعمال الفكر والجدل، ولكن عندما كثرت الفتوحات ودخل كثير من الناس الإسلام من كل ملة ولون ومعتقد، سواء كان الدخول عن طريق القناعة والاعتقاد السليم أو عن نية مبيتة سيئة للكيد للإسلام وتدميره من الداخل بعد أن عجزوا عن التصدي له علانية، فبدأ هؤلاء نشر أفكارهم ومعتقداتهم عن طريق الجدل محاولة لإدخال أفكار في الإسلام ليست منه لزعزعة مكانة الإسلام في القلوب.. عندئذ احتاج الأمر إلى أهل العقول النيرة والفكر السديد للذود عن حماه، واثبات حقيقته وما يدعو إليه من مبادئ سامية بالعقل والحجة ودحض أية شبهة أو تدليس، ولهذا كان للعلماء المسلمين الفضل وعظيم الأثر في نشوء مدرسة في الفكر الإسلامي كانت رافداً من روافد القوة للدولة، ولكن هذا لم يستمر طويلاً، إذ نجح المغرضون في إثارة الفتنة بين السلطة والفكر، وقضية خلق القرآن هي نقطة التوقف لنمو الفكر الإسلامي، فبعد أن كانت الدولة توفر جواً من الاستقرار والثقة والمناخ الملائم لتلاقي الأفكار وتلاقحها ونموها بدأ الصدام، إذ انحازت الدولة إلى فكر معين ضد أفكار أخرى أصبحت مضطهدة ومطاردة.. ومن ذلك الوقت بدأ التراجع والانحدار ودخلنا مرحلة الجمود الفكري، وتغلبت السلطة على الفكر وقزّمته وجعلته يدور في فلكها، وبعد أن كان تياراً عاماً في بداية انطلاقته حرية اجتهاد وحرية فكر، ودور الدولة هو تهيئة المناخ ليؤتي هذا الفكر ثماره، تحول الفكر بغلبة السلطة إلى مبادرات فردية تصطدم بسدود الرفض والتهميش والإقصاء، والإسلام بمبادئه يوفر المناخ الملائم لأصحاب الفكر للقيام بالاجتهاد في كل المجالات، ولهذا وحتى يعود الفكر لإنتاجه لابد أن تكون السلطة في خدمة الفكر وليس العكس، إذن ونحن كمسلمين لسنا في حاجة إلى أن نستورد أفكاراً من الخارج، نحن نملك أفكاراً إسلامية وفق منهجنا القويم (وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ...).
• البعض أتعب نفسه في البحث عن وجود مخلوق قبل آدم, أم أن آدم بداية الخلق, هذا غيب والغيب لا يدرك إلاّ عن طريق النص, ومن يقول أن هناك الطم والرم أو غيرها, فليس له عليه دليل, والباحث محكوم بالدليل القطعي, النص القرآني يقول لنا: أن الإنسان خلقه الله, وكلفه القيام بالمهمة المطلوبة منه, وهذا واضح لا لبس فيه, ومن يستدل على أن الإنسان عند وجوده على الأرض خلف غيره "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة عن الله, أو خليفة عن خلق سابق على آدم, ومن يقول: أن البشر غير الإنسان, قول باطل بلا دليل عليه, والمراحل التي يمر بها الإنسان, وضحها القرآن وضوحا كاملا, وخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان, بعد أن هيأ له مكان الاستقرار, فخلقه جاء بعد خلق السموات والأرض, ليقوم بمهمته خير قيام.
• الباحث يجد قلة النصوص القرآنية التي تتحدث عن الأمور الغيبية, لأنك كانسان لست مطالبا بالبحث, فيما وراء الطبيعة, والطبيعة محددة بالأشياء التي أمامك, ولك أن تبحث فيها بما يعود عليك بالفائدة, أما الأمور الغيبية فعلمنا بها عن طريق النص الشرعي, فإذا وجدت, أنت مطالب بالإيمان بما أورده النص, ولا قيمة لما ورد خارجه, لأن الفكر الإنساني قاصر وعاجز ومحدود الإدراكات, مثل علاقة الإنسان بعالم الجن, هنا علينا الرجوع إلى النص القرآني ليوضح لنا ذلك, أما التسليم بما يعتقده البعض حول هذه العلاقة وطبيعتها, فإنها أمور مضللة ومحيرة للإنسان, تفتح عليه بابا كبيرا للوهم والخيالات, والخيالات لا معنى لها, والوهم غير الحقيقة, فلا يمكن الخلط بينهما, لنتحدث مثلا عن علاقة الجن بالإنسان, التي دار ويدور الحديث حولها كثيرا, في القديم والحديث, لنرجع إلي النص القرآني, لنكتشف أنه بين لنا اختلاف طبيعة هذين المخلوقين, الأول خلق من نار الآخر خلق من طين, طبيعة النار محرقة منهية, طبيعة الطين منتجة, فاختلاف الطبائع منتج لاختلاف الحقائق, فلكل حقيقته فالإنسي شيء والجنيّ شيء آخر, والاختلاف هنا مانع للاتصال, والذي منه التعامل المباشر والتسلط والتحكم وغيرها, لنقرأ طلب سيدنا سليمان في قوله تعالى: "وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" التحكم في الجن وتسخيرهم من بين المعجزات المطلوبة من نبي الله سليمان –عليه السلام– فكيف نصدق بعد ذلك أي مدع يقول لنا أنا أحكم الجن وأتصرف فيه, هذه معجزة, والمعجزة لا يبحث فيها ولا تكتسب بالتعلم, أو أعلم عن طريقه الغيب, والقرآن يقول: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" هذه الآية تكذب من يقول أن الجن تعلم الغيب, وسورة "الجن" لمن يرجع إليها تظهر له كثير من الحقائق في هذه المسألة, وتنزع كثيرا من الأوهام التي علقت في أذهان الناس وأفهامهم, وهي أساطير قديمة, والإسلام يدعو الإنسان إلى التخلص من كل الأوهام والخرافات, ليكون جديرا بحمل الرسالة التي خلقه الله لأجلها, وبينها له في كتابه الكريم.
• الخطأ الذي وقع فيه آدم خطأ طبيعي, وليس خطأ شرعيا؛ لأنه ليس رسولا في ذلك الوقت, إنما إنسان, الإنسان قد يخطئ , والخطأ في الإنسان طبيعي, تترتب عليه نتائج, فلما غره الشيطان أكل آدم من الشجرة, ترتبت على ذلك نتائج الأكل, فوجئ بها آدم, إذا الخطأ الطبيعي نتيجته فيه, والخطأ الشرعي نتيجته يوم القيامة, أي أخروية, يظهر من هو على الحق ومن هو على الباطل, ويترتب على ذلك تواب وعقاب, الإنسان ومنذ أن خلق يحمل طبيعتين "وهديناه النجدين" الخير والشر, وفيه جانب الضعف وجانب القوة, ولو نظرنا إلى خطأ آدم من أين جاءه؟ جاءه من جانب الضعف, والضعف هل هو طبيعي وإلا شرعي؟ طبيعي فتكوينه "فنسي ولم نجد له عزما" تغلبت فيه طبيعة الضعف, فحصل الخطأ, لكن عندما يتعلق الأمر من جهة القوة, يحصل الإيمان, ولهذا تاب ورجع معترفا بخطئه, فآدم أوتي من ناحية ضعفه, أخد كلام عدوه الذي هو غيره, اغتر والمغتر ضعيف دائما, "فدلاهما بغرور" لأن الغرور تغطية وتعطيل لجانب القوة, الدافع للإيمان.. وآدم عندما أقدم على هذا الفعل كان إنسانا ولم يكن رسولا بعد, لكنه إنسان اكتشف جانب القوة في نفسه, وأنه مخلوق قوي إذا اعتمد على الخالق "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" اعترف بضعفه أمام خالقه, وهنا ظهرت الحقيقة, أن الإنسان بدون شريعة ضعيف, جاءه الذكر "فإما يأتينكم منى هذا فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" "ومن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا" من ابتعد عن طريقي فقد ضل, فالذكر هو الكتاب الأول الذي تلقاه سيدنا آدم –عليه السلام- يحكم علاقة الإنسان بربه واستمر كقاعدة مع كل الرسل إلى رسولنا محمد "ص" وهو كتاب الشريعة, إذا المسألة انتهت, القرآن يقص علينا أن هذا الإنسان حصل له ما حصل من ناحية الضعف, وأيضا حصل له ما حصل من ناحية القوة, "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" فالإنسان يكون قويا دائما في مواجهة الشر, ومتغلبا عليه, إذا كانت تؤيده الشريعة الإلهية, أما إذا ترك أمره لنفسه فقد ضعف.
• آدم خلقه الله على طبيعة الإنسان قبل نزوله إلى الأرض وتكليفه بالرسالة , له عقل وفطرة سليمتين, "الذي أحسن كل شيء خلقه", خلق آدم, ثم خلق من نفس آدم زوجه, ليرسخ فينا, أنهما يحملان نفس الطبيعة البشرية, وأنهما يتكاملان , فالمرأة تكمل الرجل, والرجل يكمل المرأة, إن الزوجية تكامل وليس تضاد, "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" أساس لاستمرار إعمار الكون, "ومن كل شيء خلقنا زوجين" في كل الأشياء, حتى الكهرباء موجب وسالب, خلق الله الأشياء وفق منهج خاص, ونجد التكامل مابين المنهج الديني والكوني, والباحث يجد الارتباط وثيق بين المنهجين, "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا".
• نبي الله سليمان حكم الجن على طبيعتهم, مسخرين له, يعملون ما يأمرهم, بينما رسولنا الكريم وكما ينص القرآن "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" أخبر عن ذلك بطريق الوحي ولم يرهم مشاهدة, فالرسالة للبشر مباشرة وطبيعية, والجن رسلهم رسل البشر "إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى يهدى إلى الحق فآمنا به" "فلما سمعوه قالوا أنصتوا فلم قضي ولوا إلى قومهم منذرين" فهم دعاة للرسالة المطالبين بالإيمان بها, فالتكليف حسب الرسالة القائمة, والإشارات في النص القرآني ليست كثيرة ويكفى ما جاء ولسنا مطالبين بأكثر من ذلك, ويوجد عدد من الأحاديث تحدثت عنهم في بعض أمورهم, لكنها أحاديث آحاد ظنية لا تفيد العلم في باب العقائد, الذي يتطلب وجود نص قطعي, كما قال بذلك كثير من العلماء.. والاعتقاد في الخرافات والأساطير, تُنَغِّص على الإنسان حياته؛ لأنه إذا شعر بأن هناك من هو أقوى منه غير الخالق له, ضعفت إرادته وقلت قوته, وفشل في مهمته, وهذا بخلاف الحقيقة, فالإنسان مسؤول وهو قوي يستطيع القيام بما كلف به.
• السحر لا حقيقة له "يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى" "سحروا أعين الناس واسترهبوهم" الحالة التي عاشها من حضر هذا الموقف غير طبيعية, حالة من الخوف والرهبة والانتظار, يخيل والتخيل زيف غير الحقيقة, الباطل مقابل الحق, والخيال مقابل المعجزة, ولهذا ظهرت معجزة موسى حقيقة دحضت خيالات السحرة الباطلة, وهذا ما دفع السحرة للإيمان, وذلك لاكتشافهم للحق مقابل الباطل الذي أتوه, وهم أعلم به لأنهم لم يأتوا بحقيقة "وألقى السحرة ساجدين" رغم حالة الخوف والرعب والاسترهاب التي فرضها فرعون بقوته على الحضور, لكن الإيمان في نفوسهم كان أقوى من كل جبروت وطغيان, ولهذا أعلنوا الإيمان, وطلبوا المغفرة من الخالق رغم العذاب الذي ينتظرهم, مثال للتضحية من أجل الإيمان وإظهار الحقيقة, والقرآن وضح ذلك توضيحا شافيا.
• العقل السليم قوي بل هو حجة, ومن يريد أن يحكم على شيء, إذا لم يوجد عنده عقل لا يستطيع أن يتوصل إلى ذلك الحكم، ومن يطالب بالتسليم أمام النص, لابد وأن يفهم أن شرط ذلك ثبوت الصحة له, وليس التسليم أمام كل نص وإن كان ضعيفا أو مكذوبا.
• القرآن يأتي بالقصة للتذكير والاعتبار, وليس لغرض الترفيه والتسلية, ولهذا فهو يحدثنا عن نماذج ظاهرة بارزة, فهو عندما يحدثنا عن الحكام الطغاة, يذكر لنا فرعون في أكثر من موضع وآية؛ لأنه أكبر طغيان يصل له الحاكم, هو ادعائه الألوهية "أنا ربكم الأعلى" ثم نجده في موضع آخر يحدثنا عما فعل ذي القرنين, وكيف تصرف بحنكة وحكمة في الحالات التي مرت به, وكيف عالجها , فالحاكم في الإسلام عليه أن يسلك سبيل الرشد والإصلاح؛ لأنه ليس طاغية, يتمتع ويعبد, وإنما هو ولي أمر ومسؤول مسؤولية كاملة.
• دعوى"المحبة والسلام" التي تدعيها المسيحية, دعوة باطلة يكذبها الواقع, فلا محبة ولا سلام, وإنما حرب ودمار, وارتباط ذلك بنزول عيسى ليحقق لهم هذه الدعوة في آخر الزمان, عندما ينزل, موضوع فيه نظر؛ لأن اعتقادهم الراسخ أنه ابن الله, وأنه صلب ومات على الصليب ثم بعث ورفع إلى السماء, في انتظار النزول مجددا, وهو اعتقاد باطل من أساسه, بدليل آيات القرآن, التي تحدثت عن ذلك, "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا" "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا" وأما عقيدة الصلب والتشبيه فقد وقع فيها قول كثير, والأسلم والأصوب التمسك بما أورده النص القرآني "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" والآية نفت القتل والصلب, ونقضت معتقد المسيحية في ذلك, ولكن حدث اللبس عند بعض علماء المسلمين في "شُبِّه لهم" ما هو الذي شبه لهم؟ البعض قال شبه لهم الشخص, بحيث ألقى الله شبهة عيسى على أحد الأشخاص, فنال الجزاء على اعتبار أنه الواشى, ونجى عيسى من المكر والكيد, وأيدوا رأيهم بحديث آحاد, اعتبروه مسلما ولا يقبل النظر, وهذه الرواية توافق ما جاء في الإنجيل المكذوب وما فيه من حكايات وخرافات, وهي حكايات مصنوعة لا قيمة لها, ولكن عددا من العلماء المحققين نفوا ذلك, والمتأمل للنص يظهر له أنه "ما قتلوه يقينا" يقينا ما قتلوه, وانظر إلى بداية الآية "مالهم به من علم إلا اتباع الظن" أن ما يعتقدونه في عيسى هو مجرد ظن ووهم لا يثبت فيه شيء من الحقائق, ولهذا انتفى القتل وانتفى الصلب وانتفى الشبه كشخص, لكن بقى سؤال, ما الذي شبه لهم إذن؟ شبهت لهم حكاية الصلب وما تبعها من حكايات أخرى, وهي شبهة ألقاها اليهود الشياطين ليفسدوا ما جاء به عيسى, وقبلها النصارى الدراويش, وجازت عليهم, وأصبحت معتقد يكفر من ينكره عندهم "إلا ليؤمنن به قبل موته" ليس النزول كما وهم البعض, وإنما هو الإيمان بالصلب كمعتقد, ولهذا يحاولون نشره بكل الطرق وبكافة السبل, حتى أنهم حصروا المسيحية في الصليب, وعلى مختلف فرقهم "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" يكون عيسى عليهم شهيدا يكذب معتقداتهم, المخالفة لما نزل به – عليه السلام.. ونجد أن فكرة المخلص الذي يأتي آخر الزمان ليحقق النصر لأتباعه, فكرة منتشرة عند الشعوب, فاليهود ينتظرون مخلصهم, والنصارى ينتظرون نزول المسيح وعودته للدنيا مجددا, والمهدي المنتظر ينتظره الشيعة ليحقق لهم أحلامهم, حتى عند الشعوب الوثنية توجد فكرة المخلص والمنقذ , الذي يأتي ناصرا لهم, وهي كلها عقائد باطلة, فليس لهم طريق للخلاص مما هم فيه من ضلال وضياع, إلا طريق الإسلام "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فلا دين إلا دين الإسلام, الذي نزل به محمد –صلى الله عليه وسلم– كخاتم لجميع الأنبياء والرسل, وهي قاعدة يجب الاحتكام إليها, في صحة نزول عيسى من عدمه.
• العادة فيها مصلحة دنيوية, أما العبادة فهي مصلحة دينية, تتطلب وجود نص من الله, وعمل من الرسول "افعل ولا تفعل".. وكن مع الله تهون عليك المشقة "استعينوا بالصبر والصلاة " أما إذا كنت مع نفسك وكلت لنفسك, ولهذا كان الرسول "ص" إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.. الإنسان وهب المعرفة ووهب التبعية, ولهذا إذا جهل أو خالف ضاع وأضاع.. واللغة تعطيك الحقيقة؛ لأنها طريق الفهم.
• لم يكتب الحديث في عصر الرسول؛ لأن الرسول حيّ موجود أمامهم, وهو يبين للناس ما نزّل إليه, فهم ليسوا بحاجة لكتابة الحديث, أيضا لم يكتب بعد وفاته مباشرة, لكثرت الفتوحات ودخل الناس من كل جنس ولون, إلى الإسلام ولكن لم يرسخ في نفوسهم بعد, ولم تثبت أركان الدولة الإسلامية في الأماكن المفتوحة, ولو فتح باب التدوين عندها, قد يكون بعض من دخلوا يحملون أفكارا غير إسلامية يريدون إدخالها في الإسلام, وبذلك نمنحهم الفرصة, وهو من باب سد الذريعة, وهو مبدأ إسلامي, ولكن بعد أن امتنع الخوف من ذلك وأصبح الحديث محفوظا, بدأ تدوين الحديث في عهد عمرو بن عبد العزيز سنة 92 هجرية, لكن وجد قبلها مدونا عند عدد من الصحابة, كل يكتب لنفسه, ولكن بعد ذلك جمع وأصبح مشهورا ومعروفا كعلم يدرس.
• كتب الحديث ليست كتاب دين, وإنما كتاب الدين في الإسلام هو القرآن, والعمل بالحديث جعل العلماء له شروطا, مثلا عند المالكية لابد وأن يكون الحديث معمولا به, وهذا عندهم هو الحديث الصحيح, ولا يقصد بالصحة ما ورد في كتب المصطلح؛ لأنها ظهرت متأخرة بعد القرن الرابع, وظهرت معها كثير من المصطلحات في علم الحديث, من بينها ليس ما صح سندا يصح معنى.
• الولاية: هي تولى أمر الله, والقيام بالواجبات, وترك المنهيات, كما أمر بها الله سبحانه وتعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة" وهذا تكريم للمؤمنين الحقيقيين, وهي كرامة لهم, وليست الكرامة إتيان الشخص أمرا خارجا عن سنة الله في الأشياء, فحقائق الأشياء ثابتة وفق ما خلق الله بإرادته سبحانه وتعالى, الولاية ليست لأفراد مخصوصين, ولكن لكل المؤمنين, ولكن هناك درجات, لكل مؤمن درجة حسب عمله, ولهذا تتفاوت الدرجات. والولي كما نظر إليه الصوفية, هو إنسان متميز ويملك قدرات خارقة, لكن القرآن لم ينص على ذلك "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون" إذا اجتمع الإيمان والتقوى, كان المسلم وليا لله, كل ما في الإسلام مبني على الوضوح والتوضيح "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك" هكذا قال رسول الإسلام "ص" فعلاقة الإنسان بالله, لا تأت عن طريق الوهم أو الدعاوى الباطلة, وإنما عن طريق الحقيقة.
• العمل الشرعي لابد فيه من أمر الهي, ونحن احتفالنا بالمولد النبوي على أنه دين, ولا يوجد فيه أمر بالعمل, وحتى من يدعى أنها عادة حسنة ولا شيء فيها لا يجوز؛ لأن الاحتفال قرن بالرسول"ص" والرسول مقدس ديني, وكل ما نعمله له يدخل في الدين, والدين لم يأمرنا, المسائل الدينية "التكاليف " مبنية على الأمر, وليست عادة فطرية.
• تعدد أنواع التفاسير, يدل على قوة النص, فكل يفهم منه حسب تخصصه وقدرته, ولكن لم يصل أحد إلى الغاية النهائية للنص القرآني.
• أي دعوة للإيمان بلا دليل باطلة, "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" أي بسبب ما أنزل إليه من ربه, والمؤمنون آ منوا بما آمن الرسول, وهذه قاعدة مهمة جدا؛ لأنه بلا شريعة يأتينا العقل, والعقل قد يأتي بأشياء ليس له عليها دليل, وهو يختلف من شخص إلى آخر, ولا وجود لعقلين متشابهين , فعلاقة المؤمن بربه ليس لها إلا طريق واحد وهي الشريعة.
• الإسلام والإيمان والإحسان, ليست تقسيمات ثلاثة, وإنما هي ثلاثة في شيء واحد؛ لأنه لا يكون مؤمنا وليس مسلما, ولا يكون مسلما غير مؤمن, لأنه يكون منافق, "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" هو إسلام على طمع أو على خوف, ومن صحة الإيمان القصد, والإحسان إخلاص وهو شرط في العمل, فهو مثلث مكتمل, إذا اكتمل اكتملت حقيقته, ونال الإنسان شرف الولاية, أي يكون وليا لله؛ لأن الإنسان مفتقر بذاته.
• الصراع الثالث وهو الأقوى والأخطر, يكون ما بين المنهج ومن جاءوا به "الرسل" والجماعة, فنظرة المجتمع للرسول في بداية رسالته, أن دعوته خروج عن المألوف, وأنه جاء ليدمر مجتمعه, ويخرجهم عن عاداتهم وتقاليدهم, التي اعتادوها وألفوها, ولهذا فهو ضد مصلحتهم, فيجب على الجميع الوقوف ضده ومحاربته, ويرون ذلك مصلحة لهم, لكنهم جهلوا ما فيه صالحهم, لكن عند اكتشافهم للحقيقة, تجد الخيرين منهم, أصحاب الفطرة السليمة, يسرعون إلى الإيمان؛ لأنه المصلحة الحقيقية "إنما المؤمنون أخوة".
• أول خلاف حصل بين المنهج والغريزة داخل نفس الإنسان, وهذا ما تعرض له سيدنا آدم عليه السلام وزوجه "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" وقد وضحت آيات القرآن هذا الصراع توضيحا دقيقا, على اعتبار أن هذا الصراع يتكرر مع الإنسان, ويتجدد دائما, قال سبحانه وتعالى في سورة الناس:"الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس"
• الخارج على المنهج ينظر للمتمسك بالمنهج على أنه عدو له, يقف ضد مصلحته, فيحاول السيطرة عليه على اعتبار أنه الأقوى, وهو في حقيقة الأمر الأضعف, فالإنسان بدون المنهج ضعيف, والمنهج لا يصنعه الإنسان, ولابد أن يكون من عند الله صانع الإنسان, وقد أشار القرآن إلى مثل هذا الصراع بقوله: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين". إذا المنهج هو المسير لحياة الإنسان, وهو طريق الوصول إلى الغاية من وجود الخلق "إني أخاف الله رب العالمين" "فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من النادمين" فالندم عقاب ذاتي داخل عقل الإنسان المرتكب لفعل خالف به المنهج الإلهي, ولهذا تجد كثيرا ممن ابتعدوا عن المنهج يطلقون لشهواتهم العنان, "عش يومك" والشهوة مغيبة للعقل الذي كرم الله به الإنسان "خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" وهو صراع مستمر ودائم مادامت الحياة.
• المخربون دخلوا عن طريق التصوف المنحرف, للقضاء على الإسلام والمسلمين, ولذلك تجد أتباعهم يؤيدون كل ما يخالف صحيح الدين, الذي جاءت به آيات القرآن الكريم, والسنة النبوية الصحيحة.
• العادة دين العامة, فإذا كشف زيفها, حسوا بأنهم قد فقدوا دينهم, ولهذا تراهم يدافعون عن تلك العادات الغير شرعية بشراسة, ويتمسكون بها أشد التمسك.. وأول قاعدة للبشرية, عليهم الانتباه لها "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة على الله, ولهذا علم آدم, أي ركب فيه آلة التعلم وأوجد فيه العقل ليعلم عن طريق المقدمات والنتائج, وقوة النطق, واستفادة المجهول من المعلوم, ولهذا امتاز الإنسان عن غيره من الأشياء التي سخرها الله, ولهذا الإنسان الكافر سيعاقب؛ لأنه علم وخالف ما علم.. والقاعدة الثانية, أن علم الإنسان ودينه وحضارته كلها من الله, وليس من غيره, لكن المسؤول عن الأرض وما فيها صلاحا وفسادا هو الإنسان "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
• هناك أسس على المسلم أن ينطلق منها لفهم القرآن الكريم وهي:- العلم والبعد عن الخرافة والفطرة السليمة والعقل الكامل, وهذه طرق الفهم والإدراك الصحيح للنص.
• دعوى الإنسان أنه يعلم كل شيء دعوى باطلة, وهى دعوى الفلاسفة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ودعوى التسليم للغير دعوى ضعف, وهي دعوى بعض الصوفية, أما ما يجب على المسلم أن يتمسك به, هو الصدق في القول والإخلاص في العمل دون غرض أو منفعة.
• العامة قيد على العلماء, في كشفهم عن الحقيقة, وخاصة إذا سايرهم العالم لمطمع في نفسه, فقد سقط في الهاوية, وبعد أن كان العلم بحقيقة الشيء هو الذي يقود, أصبح يقاد, وبذلك تحول إلى تابع بعد أن كان متبوعا.
• نظام الحكم الإسلامي شورى, وهي ليست عقيدة ولا عبادة, وإنما مسألة دنيوية, وهي أمر طبيعي, تتطلب وجود الحرية الشخصية للاختيار, والأمر الطبيعي نتيجته فيه وهي نتيجة مباشرة, مترتبة على الفعل, أما الأمر الديني فلا بد فيه من وجود أمر إلهي "افعل ولا تفعل" والنتيجة، والعقاب أخروي, وهذا ما كان سائدا في صدر الإسلام.
----------
(*) سبق نشر الحوار في صحيفة أسواق

25 أكتوبر، 2008

جماجم جامعية

تصنف القوانين واللوائح المحلية حامل الماجستير أو الدكتوراه بالجامعات الليبية بأنه عضو هيأة تدريس، فوظيفته حسب هذا الوصف لا تتعدى التدريس، حيث لا تشترط هذه الصفة أية اشتراطات علمية أخرى يمارسها في المؤسسة الأكاديمية غير وظيفة التدريس، وهي مهمة سمحت باكتضاض المؤسسات الجامعية الليبية بـ(مدرسين) ينعمون بقطيعة مزمنة مع البحث العلمي، والانشغالات العلمية، وسمح هذا المناخ بظهور جماجم جامعية تصنف العمل العلمي ضمن قائمة الترف وغير الضروري، وتقدم الدراسات العليا للطلاب على أنها ترف حياتي يمكنهم العيش بدونها؛ ذلك لأنهم يعتقدون أن الضروري في الحياة هو ما يؤمن لك المأكل والملبس، أو بمعنى آخر ما يؤمن وظيفة، وهو ما يمارسه أغلب من حملتهم الدكتوراه ليكونوا أساتذة جامعيين حسب قوانين الصدفة والنصيب والقضاء والقدر، فالدكتوراه تحمل الغالبية ولا يحملها إلا القليل. ما يؤكد هذا التصور للحياة العلمية والأكاديميين في الجامعات الليبية وجود بعض الاستطلاعات التي اهتمت بآراء الطلاب في أساتذتهم، وقد أظهرت هذه الاستطلاعات نتائج مذهلة وصفها بعض المتخصصين بأنها الحقيقة نفسها، هذه الاستطلاعات شملت عددا من طلبة الجامعة وطرحت عليهم أسئلة تتعلق بتقييمهم لأساتذتهم، فأظهرت النتائج أن أسماء لامعة في بعض الجامعات الليبية تصدرت مراكز قيادية جامعية ردحا من الزمن، وشاركت في الدراسات العليا والإشراف على طلاب الدرسات العليا ومناقشة الرسائل الجامعية، لم تستطع هذه الأسماء إقناع الطلاب بأنهم بالفعل باحثون أكاديميون، فجاء تقييم الطلاب شفافا وصادقا حيث لم يترددوا في وضع بعض هذه الأسماء على رأس قائمة الأساتذة الأسوأ في الجامعة، ولم تشفع لهم سنوات الضياع العلمي التي قضوها ينعمون بالألقاب الخشبية.. هذه الاستطلاعات التي لا يسمح لها بالانتشار ولا تنشر ضمن منشورات الجامعة تعكس وضعا مزريا وصلت إليه المؤسسة الجامعية الليبية، ومؤلما لأنه يتم تجاهل كل الأصوات التي تنبه إلى تنامي هذا المد من الجماجم المؤكدمة ورقيا دونما أي دعم لذلك عمليا وعلميا.

09 أغسطس، 2008

أين ليبيا في نشيدها الوطني ؟

(1)
النشيد الوطني من أبرز الشعارات التي تميز كل دولة عن أخرى، ويعكس هوية الدولة والملامح الوطنية التي تعتز بها، ويحمل في كلماته وألحانه وطريقة الإنجاز الصوتي التي يؤدى بها السر (الشيفرة) المشحونة بمشاعر الانتماء والحب للوطن، كما يضمن معاني التسامح والسلام والمحبة، ويبتعد – غالبا- عن الدعوة للعنف والكراهية، وعزف النشيد الوطني في المناسبات الوطنية وفي المدارس من التقاليد الدولية التي من خلالها ترسل تلك الشيفرات العاطفية الواصلة والجامعة بين المواطنين ووطنهم، لترتبط الأجيال بها ارتباطا شرطيا يحيلها مباشرة (عند سماع النشيد الوطني أو رؤية العلم الوطني) إلى حالة: الوطنية.. تلك الحالة التي يصبح الإنسان فيها مندمجا مع الوطن. الأمر نفسه ينسحب على الراية الوطنية التي تحيل مباشرة إلى شعارات أو قيم وطنية تعني في مجملها (الوطن) بكل فسيفسائه، ولعل اختيار ألوان الراية الوطنية من قبل مصممي غلالات لاعبي المنتخبات الرياضية يعكس القصد التعبوي للاعبين ليقدموا من أجل الوطن (وليس من أجل اللعبة) كل إمكانياتهم الفنية، ويمكن أن نتصور ذلك في انفعالات اللاعبين وتقبيلهم القمصان - رمز الراية الوطنية - عند تسجيل الأهداف في كرة القدم. فألوان الراية الوطنية تختزل قيما وطنية خاصة، وترمز إلى آمال وطنية خاصة، وتعكس في كل الأحوال الخصوصية الوطنية، شعبا وثقافة وتاريخا وجغرافيا.
(2)
الراية الوطنية الليبية الحالية (العلم الأخضر) هي الراية الوطنية الوحيدة في العالم التي لا تحمل ألوانا متعددة، بل تكتفي بلون واحد، هو اللون الأخضر، ومن المعلوم أن تعدد الألوان في الرايات الوطنية يأتي غالبا رامزا لعصور تاريخية مهمة أسهمت في تشكيل الشخصية الوطنية، ورامزا للمكونات الثقافية الوطنية.. وبالمناسبة فقد توافق اتخاذ العلم الأخضر راية للبلاد لأول مرة في سنة 1977، وهي السنة التي أعلن فيها نظام سلطة الشعب في ليبيا، ويأتي اكتفاء الراية الوطنية الليبية باللون الأخضر انسجاما مع اللون الرامز لنظام سلطة الشعب القائم على فكر الكتاب الأخضر، فرمزيته تنتمي للآني، ولا تحيل إلى المحطات المهمة في تاريخ ليبيا، اللهم إلا إذا استثنينا الدلالات الدينية ذات البعدين الصوفي والشيعي، حيث إن (العلم الأخضر) يشبه راية الدولة الفاطمية التي كانت ليبيا تخضع لسلطانها.. ومن المعلوم أن قرار اتخاذ العلم الأخضر رمزا للبلاد جاء عقب فشل مشروع الوحدة العربية مع مصر وسوريا، وهو المشروع الذي كانت رايته الوطنية هي نفسها علم الدولة المصرية اليوم.
(3)
في النشيد الوطني لا يمكن أن تكون المكونات الثلاثة (النص واللحن والأداء) متلائمة مع معايير خارج إطار الوطن، فهي لابد أن تكون مشحونة بحمولات تبعث في أبناء الوطن الواحد مشاعر واحدة، تجمعهم في حب شيء واحد، هو الوطن. نشيد (الله أكبر) النشيد الوطني لليبيا منذ سبتمبر 1969 عبارة عن أغنية مصرية اشتهرت في مصر وسوريا أثناء حرب السويس، وهي تعكس أجواء الحرب والحماس للقتال حيث المدافع والأعادي والمعتدي...إلخ، ولا وجود في الأغنية لذكر لـ(ليبيا) أبدا، ولذلك فهو يفتقد الخصوصية الليبية، ويعتمد على عموميات جعلته جاهزا لأن يكون حاضرا للتعبئة في أي حالة حرب، وهو ما كان بالفعل، فقد استعان به الفلسطينون في بعض حملاتهم التعبوية الموجهة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، كما هو الحال مع أغنية (وين الملايين) وأخواتها الكيلانيات (نسبة للشاعر الليبي علي الكيلاني).. فأين ليبيا في نشيدها الوطني..؟ أحد الأصدقاء حدثني عن محاولة للموسيقار الكبير كاظم نديم تقديم مقترح لنشيد وطني بديل، قائم على قصيدة وطنية لشاعر ليبي هو شيخ الشعراء أحمد الشارف في قصيدته المشهورة: "رضينا بحتف النفوس رضينا * * * ولم نرض أن يعرف الضيم فـينا ". وعلى الرغم من أن هذه المحاولة – إذا صحت – لم يكتب لها النجاح، فإن الوجدان الجمعي لليبيين انتقى من المدونة الفنية الليبية أغاني تقوم مقام النشيد الوطني في إنعاش وطنيتهم، هذه الأعمال الفنية الوطنية الرائعة ظلت تسحر قلوب الليبيين وتملؤها عشقا لوطنهم الغالي: ليبيا، ومن هذه الروائع: (هذه الأرض هي العرض لنا) للراحل محمد صدقي، و(تعيشي يا بلدي) التي جمعت الثلاثي الفاخر أحمد الحريري، وعلي ماهر، ومحمود كريم، وربما كانت رائعة علي صدقي عبدالقادر (بلد الطيوب)، هي الأبرز، وأكثر الأعمال التي جذبت اهتمام الليبيين، واستفزت فيهم الوطن موشحا بالحب والشعر والياسمين، وهو ما افتقدوه في نشيد (الله أكبر) حيث دجج الوطن بالمدافع، وتسربل بلغة العنف، واختزلت الحالة الوطنية برمتها في حالة حرب، خطابها الرئيس (إذا فنيت فسوف أفنيه معي).