ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الاثنين، 4 مارس، 2013

الأسد حين يقلد أسداً... يصبح قرداً




مصطفى الهاشمي بن نصر

          الراصد لتدني مستوى الذائقة الجمالية في المجتمع الليبي في الوقت الراهن لابد له من الشعور بالإحباط والمرارة بل والوقوف عند الأسباب التي أدت إلى هذا التردي  البشع في الذوق الشخصي والعام، ذلك لأن الحس الجمالي هو بالدرجة الأولى سلوك ومظهر حضاري واستحقاق وطني يؤكد على علاقة وعبقرية المكان وقيمته التاريخية  والجمالية المستمدة من إرث وتراث الماضي ونقلات المستقبل وتطوراته وبعيدا عن الإسهاب والغلو في عرض هذا الانطباع العام.. علينا إذاً أن نستعرض بعض الشواهد على هذا الانحدار الذوقي الذميم.
          إن معظم المدن الليبية "إذا استثنينا نسبياً مدينتي طرابلس وبنغازي" تعاني من فوضوية التصميم الفني المعماري لواجهات الدارات والمساكن العادية التي لا تفصح عن أية جمل فنية أو معمارية فهي خليط بين التصميم الغربي والشرقي والأندلسي والإسلامي والآسيوي ونمط الركوكو "ROCOCO" الأوروبي الكلاسيكي وهو تقليد جامح ومجنون يحاول أن يلامس تخوم الانبهار الزائف الذي لا يمت بصلة للهوية الوطنية ومراكماتها التراثية الأصيلة... ويتجلى تحلل الذوق الفني لهذه المباني في إهمالها بدون طلاء رغم فخامتها الخارجية وتكلفتها الباهظة سواء أكانت داخل المخطط أو خارجه، لقد أصبحت هذه الظاهرة من الثوابت الشاخصة والقناعات الراسخة لدى معظم المواطنين وكانت نتيجة طبيعية لعدم تنفيذ القوانين النافذة بهذا الشأن وأعني بذلك تدخل الجهات المختصة لإجبار أصحاب المباني هذه على طلائها وإظهارها أمام المشهد العام بالمظهر اللائق والمحترم ولن نتحدث في هذا المقام عن الروح العدوانية إزاء الأشجار والمساحات الخضراء التي يتم انتهاكها عنوة وقصداً. كي تبرز أكثر المباني والأسوار الإسمنتية الرمادية التي تبعث الكآبة في الوجدان لأن اللون الرمادي حسب لغة الفن لا يمثل أي مظهر احتفائي.
            لقد أصبحت معظم القرى والمدن الليبية بهذا المظهر تمثل شذوذاً مروعاً على حوض المتوسط.. فكأنها خارج التاريخ والتواصل الحضاري في بلد يهدف بالغاية والوسيلة نحو الاستقطاب السياحي ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى انتهاك فض لثوابت الزي والشخصية والتراث الوطني في غياب الضوابط وتلاشي الذوق واضمحلال الحس المتحضر، ولا تأخذنا الدهشة حينما نلقي نظرة على الشارع الليبي فنرى المواطن بجبة مغربية وبنطلون أمريكي وغطاء رأس إفريقي وآخر يرتدي جرداً ليبياً مع توتا أوروبية وحذاء غربي وسواه ارتدى قميصاً خليجياً مع جيبوتي عسكري وصندل حمام.. وتطول قائمة هذا النشاز في الملبس والمظهر المتخلف في ذائقة الارتداء، ولو أراد القارئ الكريم أن يتحقق من ذلك عليه فقط أن يراقب طوابير المعزين في المآتم أو المهنئين في مناسبات الأفراح فإنه سوف يشاهد عرض أزياء مضحك وخليط من توليفة الملابس الغير متناسقة أو متناغمة وزيد يقلد عمر.. يا إلهي ما هذه الربكة وهذا التفسخ الذي لم ولن يكون مرده فقر وحاجة بل مرجعه إلى التفسح الذي لا ينم إلا على الانفلات في الذوق واللامبالاة ولا يتحرجون في الذهاب بها إلى العمل والمساجد والمناسبات على اختلافها كما أنه ثمة هناك بعض شرائح الشباب المستلب الذي يلصقون أعلاماً أجنبية على مركباتهم ويستمعون إلى الأغاني الغربية رغم جهلهم بأية لغة أجنبية وفي الوقت ذاته يرتدون ملابس عجيبة –خليطاً من بلاد الأفغان إلى بلاد الأمريكان- إن هذه الظاهرة الشاذة لن تتغير إلا بتأكيد الأصالة الوطنية ونشر الوعي والفن بمعناه الأشمل وترسيخ القيم الوطنية ونبذ التقليد والمحاكاة، لأن الأسد حين يقلد أسداً يصبح قرداً.

هناك 4 تعليقات: