ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الاثنين، 18 يناير، 2010

نظرية النحو الوظيفي في العالم العربي.. مشروع أحمد المتوكل











محمد مليطان



نشأ المنحى الوظيفي بالمغرب بعد نقل "نظرية النحو الوظيفي" من جامعة أمستردام، كما صاغها سيمون دِكْ ومجموعة من الباحثين زملائه، إلى المغرب في السنوات الأولى من الثمانينات. ولم يكن نقل النظرية إلى المغرب نقلا مجرداً وإنما كان نقلا مرّ بثلاث مراحل: مرحلة الاستنبات ومرحلة التأصيل ومرحلة الإسهام والتطوير.
في المرحلة الأولى أخذت نظرية النحو الوظيفي، حين نقلت إلى المغرب، مكانها بين الاتجاهات اللسانية التي كانت سائدة آنذاك وعلى رأسها الاتجاه البنيوي والاتجاه التوليدي التحويلي بالإضافة إلى الدرس اللغوي العربي القديم نحوه وبلاغته إلى غير ذلك.
ثم انتقل إلى مرحلة التأصيل حيث تمّ ربطُ نظرية النحو الوظيفي بالفكر اللغوي العربي القديم على أساس أن الفكر اللغوي العربي القديم أصل لمنحى وظيفي عربي يمتد بواسطة الدرس اللساني الوظيفي الحديث.
في المرحلة الثالثة شرع الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل في الإسهام في تطوير نظرية النحو الوظيفي نفسها.
هذا النقل والاستنبات والتأصيل والتطوير كان في بداية الأمر حكرا على جامعة محمد الخامس بالرباط بالمغرب ثم انتقل منها إلى جامعات أخرى في المغرب ثم إلى بلدان أخرى كالجزائر وتونس وليبيا والمشرق العربي مصر والعراق وسوريا ثم بلدان الخليج العربي حيث تأثر بهذا المنحى وتبناه مجموعة من الباحثين.
بعد أن استتب للمنحى الوظيفي الأمر عزم الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل على أن يضع مشروعاً متكاملاً ذا ثلاثة اتجاهات رئيسية كبرى: أولا اللسانيات واللغة العربية، وثانيا اللسانيات وقضايا المجتمع، وثالثا اللسانيات والفكر اللغوي العربي القديم.
في الاتجاه الأول أسس الأستاذ المتوكل مشروعه اللساني على مجموعة من المبادئ منها: مبدأ أن المنهج الوحيد لدراسة اللغة العربية باعتبارها لغة كسائر اللغات البشرية غيرها هو المنهج اللساني الذي لا يعدله منهج آخر. من المبادئ، أيضا، أن أقرب المقاربات إلى وصف ظواهر اللغة وتفسيرها هي المقاربة التي تربط بنية اللغة بوظيفتها التواصلية وتدرس هذه البنية على أساس أنها تابعة لتلك الوظيفة التواصلية إلى حد كبير، وهو الذي تعتمده نظرية النحو الوظيفي. ومن المبادئ التي قام عليها المشروع المتوكلي اللساني أن اللغة العربية تخضع لما تخضع إليه اللغات الأخرى من مناهج. مهما خصّت خصائصُها فهي تبقى لغة بشرية كسائر اللغات الأخرى وينطبق عليها من المناهج ما ينطبق على اللغات الطبيعية بوجه عام.
يهدف مشروع الأستاذ المتوكل إلى دراسة اللغة العربية صرفاً وتركيباً ودلالةً وتداولاً من نفس المنظور، أي ترابط البنية بالوظيفة، وتنميط اللغة العربية بمقارنتها مع غيرها من اللغات، ودراسة تطورها.
وضع الأستاذ أحمد المتوكل نحواً وظيفياً متكاملاً للغة العربية، ودرس علاقة اللغة العربية - من نفس المنظور- بلغات أخرى، ووصل إلى تنميط يميّز بين فئتين كبريين من اللغات، اللغات المؤسسة تداولياً واللغات المؤسسة دلالياً، ويعني باللغات المؤسسة تداوليا -وإليها تنتمي اللغة العربية- اللغات التي تُغلّب المستوى التداولي على المستويين الدلالي والصرفي-التركيبي. وبالنسبة للدراسة التطورية للغة العربية أثبت الأستاذ المتوكل أن اللغة العربية تنـزع إلى الانتقال عن طريق دوارجها من الفئة الأولى - فئة اللغات المغلِّبة للتداول على الدلالة - إلى فئة اللغات المغلِّبة للدلالة، وأوضح أن اللغات العربية الدوارج الآن لم تعد تحرّر الرتبة للدلالة على الوظائف التداولية؛ لأنها فقدت الإعراب وأصبحت الرتبة هي الدالة على الوظائف التركيبية.
حين نقلت نظرية النحو الوظيفي إلى المغرب ثم العالم العربي لم يقم الأستاذ أحمد المتوكل باستنباتها فقط بل أصّلها ولم يؤصّلها فقط بل أسهم في تطويرها. وجوانب الإسهام كثيرة جدا نجدها في الوظائف التداولية ونجدها في القوة الإنجازية التي تواكب الجمل ونجدها كذلك في إخراج نظرية النحو الوظيفي من حيز الجملة إلى حيز الخطاب. ومن أهم إسهامات الأستاذ المتوكل في نظرية النحو الوظيفي هي أنه كان سبّاقاً إلى نقل اللسانيات من الوصف اللغوي المحض إلى القطاعات الاجتماعية والاقتصادية فلم يسبقه أحد إلى هذا داخل نظرية النحو الوظيفي نفسها. وفي هذا المضمار دافع الأستاذ المتوكل عن فكرة أن النظرية اللسانية - وظيفية كانت أم غير وظيفية - يجب أن تحرز كفايتين اثنتين، كفاية لغوية وكفاية إجرائية، كفاية لغوية تحرزها حين تستشرف مستوى الوصف الملائم لظواهر اللغات البشرية، وكفاية إجرائية تحرزها حين تستطيع نفس النظرية - لا نظرية أخرى- أن تطبَّق في مجالات اجتماعية اقتصادية كالترجمة وتحليل النصوص والأمراض النفسية المسببة للاضطرابات اللغوية. وفي مجال تعليم اللغات قدم الأستاذ المتوكل فكرة نظنها من الأفكار التي لم يُسْبَق إليها وهي أن تعليم اللغات يجب أن يتم عن طريق الوظائف لا عن طريق البنيات، وهو نفس المبدأ الذي طبّقه في معالجته لترجمة النصوص حيث أثبت أن الترجمة لا تكون بين عبارتين بل تكون بين بنيتين تحتيتين لعبارة مصدر وعبارة هدف. وبالنسبة للاضطرابات اللغوية فقد أشرف الأستاذ المتوكل على بحوث انتهى فيها الباحثون إلى أن النحو الوظيفي يمكّن من رصد الاضطرابات الثاوية خلف الاضطرابات اللغوية وجُلّ هذه الاضطرابات اضطرابات تداولية تمس الوظائف التداولية والقوة الإنجازية للعبارة اللغوية وتناسق الخطاب الذي يكون عن طريق المحافظة على نفس المحور إلى غير ذلك. وقد وصل الباحثون في هذا المجال إلى نتائج مرضية سيكون لها دور كبير في مساعدة الأطباء النفسيين في معالجتهم للأمراض العقلية والنفسية على السواء.
في محور اللسانيات وعلاقتها بالفكر اللغوي العربي القديم، انطلق الأستاذ المتوكل من مبدأ أنه لا قطيعة معرفية تفصل التراث - أيّاً كان نوعه - عن الدرس اللساني الحديث - كما كان يعتقد - ومن هذا المبدأ وضع منهجية علمية واضحة المعالم لإعادة قراءة التراث اللغوي العربي القديم. من مبادئ هذه المنهجية أن الفكر اللغوي العربي القديم كلٌّ لا يتجزأ، نحو وصرف وبلاغة وأصول فقه وتفسير إلى غير ذلك. هذه العلوم –كما يرى الأستاذ المتوكل- لم تكن قط منفصلة، بل كانت آوية إلى أساس معرفي واحد، وأن هذا الأساس المعرفي أساس وظيفي، ولم يكن ذلك صدفة، حيث إن المفكرين اللغويين العرب القدماء درسوا اللغة انطلاقاً من نصوص وليس من جمل صورية منفردة، وكانت هذه المقاربة مقاربة وظيفية في أساسها تربط بنية اللغة معجماً وصرفاً وتركيباً بوظيفة التواصل. ومن معالم هذه المنهجية كذلك أن الفكر اللغوي العربي القديم يمكن أن يتخذ أحد أوضاع ثلاثة إمّا أن يُعدّ حقبة تاريخية لفكر وظيفي معين وامتداده في البحث اللساني الحديث وإمّا أن يكون مرجعا لهذا الدرس اللساني الوظيفي الحديث يحتج به عند الحاجة وإما أن يكون مصدراً تمتح منه آراء ومفاهيم وتحليلات وذلك ما قام به، مثلا، في كتابه "المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي.. الأصول والامتداد (منشورات دار الأمان الرباط، 2006)".
لقد أنفق الأستاذ المتوكل على مشروعه بسخاء قل نظيره، فقد تفرغ طيلة أزيد من ثلاثين عاما لخدمة هذا المشروع اللساني العربي الذي يعد من أنضج المشاريع اللسانية العربية الحديثة وأكملها لكونه مشروعا واضح المعالم من حيث موضوعه وأهدافه وأداوته المفاهيمية والإجرائية، حتى إن بعض اللسانيين المعاصرين اعتبر مشروع الأستاذ أحمد المتوكل بمثابة رد الاعتبار للفكر اللساني العربي القديم.

هناك تعليق واحد:

  1. كيف بإمكاني الحصول على هذا الكتاب؟؟

    ردحذف