ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الخميس، 21 يناير، 2010

ثقافة إسلامية أم «إسلام ثقافي»؟



محمد مليطان


يتم الحديث عن الإسلام- عادة- باعتباره «ثقافة» جديدة فاتحة، استوعبت ثقافات الأمم والشعوب التي دخلتها، وهو تقديم فاقد للكفاية التفسيرية العلمية لعدد من الظواهر المتعلقة بالتعدد في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية، والتصور لعدد من المفاهيم النظرية الدينية، وهو ما ينعكس في تنفيذ السلوك والطقوس الدينية، ويطاول في أحيان كثيرة تفسير النص الديني. 



هذا الزعم تؤكده جملة من المعطيات؛ أهمها وجود المذاهب والتيارات داخل حدود وأطر جغرافية معينة، ما جعل منها مذاهب ذات سمات ثقافية جهوية، أكثر منها سمات إسلامية تتجاوز الجغرافيا، وتشكل ثقافة واحدة لشعوب متعددة ثقافيا.
هذا التنوع والتعدد الثقافي للشعوب الإسلامية تم التعامل معه وفق منظور «أصول الفقه»، تحت ما اصطلح على تسميته بـ«العرف»، وهو ما يعكس شعورا لدى النخب الدينية بتأثير الثقافات المتنوعة في صياغة الفقه والعقائد الإسلامية، ما دفعهم من ثم إلى الحديث عن محاسن إدماج «العرف» ضمن الأصول التي تبنى عليها الآراء والمواقف والأفكار الدينية، باعتبار هذا الإدماج مؤشرا على عظمة الشريعة الإسلامية، ودليلا على اهتمامها بالجماعات الإنسانية من خلال اهتمامها بعاداتهم وأعرافهم، ونظام العلاقات التي تربطهم، وهو ما يعتبر- حسب بعض الباحثين- تطويراً للفقه الإسلامي وإظهاراً لأصالة الشريعة الإسلامية ومرونتها وقبولها للحكم في كل أمور الحياة المتطورة المتجددة.
وهنا يمكن الزعم بأن «العرف» هو التصنيف البدائي والمصطلح التراثي المقابل لـ«الثقافة» حسب التعريف «الويكيبيدي»، وهو كونها نمطا متكاملا من المعرفة البشرية والاعتقاد والسلوك الذي يعتمد على القدرة على التفكير الرمزي والتعلم الاجتماعي، ومجموعة من الاتجاهات المشتركة والقيم والأهداف والممارسات التي تميز جماعة ما.
وباعتبار أن «العرف» أو «الثقافة» تتحكم في تحديد التصور للدين وتشكيل المفاهيم الدينية، فإن التعبير بمصطلح «الإسلام الثقافي» بديلا لـ«الثقافة الإسلامية» يعد أكثر انسجاما وذا كفاية نفسية ولغوية أعلى؛ فالمفهوم الشائع لـ«الثقافة الإسلامية»، هو أنها جميع المظاهر الثقافية والحضارية الشائعة المرتبطة تاريخياً بالمسلمين، وحيث إن المسلمين لا تجمعهم «ثقافة/عرف» واحد فإن التمسك بهذا المصطلح غير مبرر علميا.
هذا التحليل لمصطلح «الثقافة» وتقاطعه مع «العرف» يسمح- ودون حرج- بالحديث عن الإسلام الخليجي والإسلام الشامي والإسلام العراقي والإسلام المصري، وهي «إسلامات» تختلف عن الإسلام في بلدان الشمال الأفريقي، وهذه كلها مختلفة عن الإسلام الآسيوي والإسلام الأميركي.
من خلال افتراض إسلام «متعدد» أنتجته ثقافات متعددة، يمكن تفسير عدد من الظواهر المرتبطة بالمواقف والاتجاهات الدينية، يؤيد هذا الزعم جملة من الشواهد، منها ما حدث داخل الفقه المالكي من انقسام، حيث اختلف مالكية العراق عن مالكية الشمال الأفريقي في عدد من القضايا المنهجية الأساسية، ما جعل من المذهب المالكي مذهبين تحت مسمى واحد. ومنها انتقال الإمام الشافعي من مذهبه الذي اقترحه وصممه في العراق إلى مذهب جديد صاغ منهجه في مصر بعد تأثره بـ«ثقافة» مصرية مختلفة عن «ثقافة» بلاد الرافدين، ما نتج عن هذا التأثر تعديله لجملة من المواقف والمفاهيم «عراقية» المنشأ. وهو ما يمكن تعميمه على مظاهر دينية عديدة مرتبطة بالتعدد الديني حسب الإطار الثقافي. وبالتالي فإن اقتراح التصنيف لا يتم على أساس «الثقافة الإسلامية»، بل على أساس «الإسلام الثقافي» ليكون أكثر كفاية علمية وتفسيرية لعدد كبير من مظاهر التعدد والاختلاف المرتبطة بالدين.
إن اعتماد مقاربة «الإسلام الثقافي» بديلا عن المقاربة التقليدية «الثقافة الإسلامية» تدفع في اتجاه الحديث عن «إسلام ثقافي» معاصر وحداثوي، وهو «إسلام» يتجاوز بطبيعته المرتبطة بالثقافة والتفكير المعاصرين التصنيفات التقليدية للإسلام التقليدي «السني» و«الشيعي» و«الصوفي» و«المالكي» و«الشافعي»... التي أنتجتها ظروفها التاريخية، كما إن هذه المقاربة ستفرض تنميطا آخر للتعدد الإسلامي، قد يكون أكثر تعقيدا وتشعبا من التنميط التقليدي، نظرا لتعدد وتعقد المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجماعات الإسلامية، ولكنه حتما سيجتمع في تنميط ثنائي بسيط مكون من جماعات «الإسلام البدائي»، وجماعات «الإسلام الحداثوي» مستوعبا هذا الأخير تيارات الحداثة «المتدينة» داخل أسراب المسلمين.

ــــــــــــــــــــ
نشر في صحيفة "أوان" الكويتية. الثلاثاء 2010/1/19 العدد:784


Bookmark and Share

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق