ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الثلاثاء، 5 يناير 2010

مبالغة «حُماة» العربية





محمد مليطان


يُنظر إلى اللغة في الدرس اللساني الحديث باعتبارها موضوعاً مجرداً، أي مجموعة من الجمل تربط بين مكوناتها علاقات صرفية - تركيبية ودلالية. أو باعتبارها أداة تُسخّر لتحقيق التواصل داخل المجتمعات البشرية. ويقول اللسانيون بأن للسان الطبيعي خصائص عامة تتقاسمها اللغات على اختلاف أنماطها، وهو ما يسميه اللسانيون «الكليات اللغوية»، وإن الطفل يُفطر، باعتباره كائنا بشريّاً، على مجموعة من المبادئ العامة تمكّنه بمعونة محيطه من اكتساب لغة معينة، لغة العشيرة اللغوية التي ينمو فيها.
حسب المقاربة اللسانية الحديثة، لا يكتسب الطفل قدرة لغوية محضة، بل قدرة على التواصل مع محيطه الاجتماعي، لا يتعلم أصوات لغته وقواعد صرفها وتركيبها فقط، بل ويتعلم معها ما تؤديه من أغراض تواصلية. وهو ما يربط اللغة بخضوعها لمبادئ واشتراطات براغماتية من قبل مستخدميها، فمستعمل اللغة الطبيعية، لا يستعمل اللغة، انطلاقا من مبادئ الهوية العرقية، أو الدينية، ولكنه يستعملها للتواصل مع محيطه الاجتماعي اعتمادا لمبدأ براغماتية التواصل الناجح فقط، ولا شيء غير التواصل الناجح.
تيارات اليمين العربي بشكل عام، زاوجت بين اللغة والهوية، واللغة والدين، حتى صوروا العلاقة بين هذه الثنائيات كالعلاقة بين وجهي العملة الواحدة، فزاوجوا بين اللغة والهوية، بمعنى الثقافة، وتطرفوا فزاوجوا بين اللغة والهوية بمعنى العرق، وغالوا في التطرف، حين زاوجوا بين اللغة والدين. في الوقت الذي، لا الهوية الثقافية، ولا الهوية العرقية، ولا المفاهيم الدينية، تدعم هذا، لكنهم فعلوها على أية حال..! وتم الترويج لتقديس اللغة العربية بفذلكة آثار دينية من قبيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحبوا العرب لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي». متجاهلين الإشكال الذي ينتج عن هذا الخطاب التبجيلي، بخصوص اللغات التي نزلت بها الكتب السماوية الأخرى وتحدث بها أنبياء الله الذين يجب أن ينظر إليهم من المبدأ القرآني: «لاَ نُفَّرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ» (البقرة:285). وهذا بالطبع يعني قطعا أن لا فرق بين كتبه، وهو ما يعني أن لا فرق بين اللغات التي اختارها لتكون لغة كتبه المقدسة.
وفي إطار هذا الخطاب نفسه، تم الإعلاء من شأن الفصاحة والبلاغة المنسوبتين إلى اللغة العربية، باعتبارها لغة الفصاحة والبلاغة، مقتضيا هذا الخطاب أن لا لغة أخرى تنافس العربية في فصاحتها وبلاغتها، وهذا خطأ علمي فادح ارتكبه بعض البلاغيين والنحاة العرب القدامى، مدفوعين بعاطفة الانتماء القومي أو الديني، ولا تدعمه الحجج والبراهين اللغوية العلمية. فالبلاغة والفصاحة قدرتان لغويتان إبداعيتان في الإنسان نفسه، لا في اللغة التي يستعملها، وما اللغة «الصورية» إلا قالب يقدم من خلالها البلاغي بلاغته، والفصيح فصاحته، بما في ذلك لغة الإشارة التي تعكس بلاغة مستعمليها، وقدراتهم على التعبير الوجيز للدلالة على المعاني التي قد تحتاج لغة الصوت والحروف في بيانها إلى إنفاق صوتي وتراكيبي غير يسير. فكل لغات الدنيا يتمتع أهلها بفصاحة وبلاغة، كما هي عند أهل العربية، إذ لا يتصور أن لا تشتمل لغة ما على: تورية، أو تشبيه، أو كناية، أو أي مجاز بشكل عام.
لقد بالغ، ولا يزال، «حماة العربية» في الخوف عليها من تهديد لهجات الدوارج العربية، التي يعتقدون أنها تخوض حرب إبادة ضد العربية الفصيحة، مبرمجة بـ«نظرية المؤامرة»، وهو ما لم يحدث.. غير أن ما حدث في المقابل بسبب هذا الحرص المبالغ فيه، كان أكثر ضررا للعربية الفصيحة، فبدل أن تستفيد اللغة العربية الفصيحة من انفتاحها على دوارجها واللغات الأخرى في إغناء معجمها، أجبرها «حماتها» على الانغلاق على نفسها، لتجتر معجمها التراثي وتستدعيه في كل مناسبة، ما كشف عن عجز رهيب عن مسايرة المستجدات، بما في ذلك المستجدات اللغوية اللسانية، وجعل من المعجم اللغوي العربي يبدو هزيلا أمام معاجم اللغات المجاورة التي تفخر كل يوم بإضافة قائمة جديدة من المصطلحات المستحدثة إليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بصحيفة أوان الكويتية الثلاثاء 2010/1/5 العدد:770





Bookmark and Share

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق