ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الخميس، 29 يناير، 2009

المفكر الإسلامي أحمد أبومزيريق


المفكر الإسلامي أحمد أبومزيريق :
كتب الحديث ليست كتب دين ، وكتاب الدين في الإسلام هو القرآن
ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان خرافة


حاوره/ علي رشدان (*)


هو من بين علمائنا الأفاضل الذين كان لهم دور بارز ولازال في نشر الثقافة الدينية السليمة التي تحارب الخرافة والظواهر السلبية في المجتمع، ومنذ أن بدأت انطلاقته إماماً ومدرساً للقرآن بمسجد المغاربة آل على نفسه القيام بهذه الرسالة، وهي أن على العلماء واجبا تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، هو الإصلاح والتوعية، ولهذا واصل السير في خطين متوازيين جانب التعليم وجانب الإمامة، وهي طريق اختاره لتحقيق ما يهدف إليه من توعية وتثقيف وتعليم، وكلها حمل ثقيل كما يصفه، وله في مجال البحث والتأليف العديد من الأبحاث والرسائل في جوانب الفكر والحديث والفقه الإسلامي، ولعل مجهوده الأكبر خصصه لتفسير القرآن الكريم والذي استمر لمدة عشرين سنة من سنة 1973 وانتهى من كتابته سنة 1993 وهو بعنوان (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) تحت الطبع حالياً.إنه الأستاذ الشيخ / أحمد عبدالسلام محمد أحمد أبومزيريق- التقيته في جلسات متعددة وكان معه هذا الحوار في فضاءات فكرية مختلفة تلقي بعض الضوء على توجهاته وأفكاره وسيرته الذاتية العلمية.. يقول الشيخ أحمد أبومزيريق:.• تعلمت على أيدي كثير من العلماء والمشائخ واستفدت من الجميع، ولكن أول من علمني كان الشيخ علي الشريف المغربي (بالرشيمة ثم الحرف ثم الملّة) ثم أرسلني والدي إلى زاوية البي المشهورة في مصراتة. وحفظت القرآن على فضيلة الشيخ المربي علي أحمد حسن المنتصر شيخ الزاوية، (كان ذلك سنة 1940م تقريباً). كان رجلاً فاضلاً ورعاً محباً للعلم ومشجعاً عليه.. وكنت أتردد على بعض حلقات العلم التي يقيمها بعض المشائخ في الزوايا والمساجد لدراسة علوم اللغة والفقه وغيرها، أذكر منهم: الشيخ الطاهر اسبيطلة وكان يعمل في القضاء بمصراتة سنة 1945، 1946 ودرست على الشيخ محمد علي السهولي ما يقارب الخمس سنوات من سنة 1945 وحتى سنة 1950 بعض العلوم الشرعية واللغوية بمسجد رأس علي حيث كان إماما بهذا المسجد، كذلك حضرت حلقات الدروس المسائية التي كان يلقيها الشيخ مفتاح اللبيدي من سنة 1948 وحتى سنة 1950 بجامع الشيخ، كذلك حضرت كمستمع لحلقات الدروس التي كان يلقيها الشيخ محمد حسن عبدالملك في بيته، وكانت تضم كثيراً من المشائخ أذكر من بينهم الشيخ أحمد جهان والشيخ مصطفى بن عثمان، كنت صغيراً وقتها أرافق الشيخ السهولي لهذه الدروس. ودخلت معهد القويري الديني سنة 1955، وفي سنة 1956 تحصلت على الشهادة الابتدائية، وفي سنة 1959م افتتح الأزهر قسماً ثانوياً بالمعهد، فالتحقت به وتخرجت منه سنة 1964، وكان من بين الشخصيات العلمية التي أثرت في مسيرتي خلال فترة دراستي بالمعهد الشيخ عبدالحميد شاهين لما يملكه من سعة اطلاع وحسن توجيه واهتمام بالقضايا التي يعيشها المجتمع، وكان للشيخ دور كبير في توجهي الوجهة الصحيحة والسليمة، المتمشية مع العقل السليم والنقل الصحيح، وقد كان لخطبه وآرائه عظيم الأثر في طلبة المعهد، الأمر الذي جعلنا نلتف حول الشيخ مكونين تياراً جرف في طريقه الكثير من الخرافات والأوهام والانحرافات التي كانت تسيطر على العقول على اعتبار أنها دين، وهي في الحقيقة لا تمت إلى الدين بأي صلة، بل هي أوهام غطت الفكر السليم بسحابة التقليد والجهل.. ثم التحقت بالجامعة الإسلامية بكلية أصول الدين وحصلت منها على الشهادة الجامعية سنة 1968، ومن بين الأساتذة الذين أعجبت بهم وتأثرت بهم الشيخ الدكتور محمد السماحي الذي له أثر كبير في توجهي وتعمقي في دراسة التفسير، وقد كان يعتمد الحرية العقلية ويحارب الخرافة، يدرس النص القرآني في ضوء روح ومنهجية إسلامية صافية سليمة، ويمحص النقل في ضوء النص القرآني، حتى تظهر حقيقته واضحة جلية، وبعد تخرجي ذهبت إلى الجغبوب لمواصلة الدراسات العليا، وكنت خلال ذلك ألقي بعض الدروس في معهد البعوث في الجغبوب إلى نهاية سنة 1969 حيث رجعت إلى مدينة البيضاء بعد أن توقفت الدراسة هناك، وواصلت مسيرتي في سلكي التعليم والإمامة.
• المالكية ليست مذهباً كبقية المذاهب الأخرى التي اتبعت اجتهاد أشخاص عُرفوا بالعلم والاجتهاد، وإنما هي مدرسة متكاملة اهتم بها ودوّن أفكارها وأصولها الإمام مالك –رحمه الله- وليست اجتهاداته الشخصية.. فهي عمل أهل المدينة فهي عمل جماعي وليست اجتهادا فرديا، وهذا من أهم القواعد الأساسية في المدرسة المالكية، والتي وصلتنا عن طريق التواتر ولازالت مستمرة حتى الآن. والمطلع على الفقه وعلومه يعلم ذلك جيداً.. فالموطأ ليس كتاب فقه وإنما هو كتاب أصول فقه، يبحث في الحديث وهو متقدم على الرسالة للإمام الشافعي.. الذي عُرف بأنه كتاب أصول، لكن الموطأ حتى ولو لم ينص على أنه كتاب أصول فهو أقدم منه ككتاب أصول، وكما نعلم فإن الإمام الشافعي تلميذ للإمام مالك.. والموطأ كتاب للحديث هو غربال استبعد كل الأحاديث المشكوك فيها لكن كتب الأحاديث الأخرى الموسومة بالصحاح.. هي جمع للحديث رغم ما بذل فيها من جهود، فما ورد فيها صحيح باعتبار المجموع وليس الجميع، فليس كل ما ورد فيها صحيح.. ولأهمية كتاب الموطأ أفردت له رسالة بحثية أسميتها (كشف المغطى عن حقائق الموطأ) بينت فيها مكانة الكتاب وأهميته، وأيضاً أهمية ومكانة (المدونة) والتي هي خلاصة الفقه المالكي وتعتبر دائرة معارف فقهية ومنهج جامعة الإمام مالك.
• التصوف المبني على الدروشة والأوهام مرفوض، وكلمة التصوف في حد ذاتها كلمة دخيلة لم يعرفها المجتمع الإسلامي الأول –عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم- وهم من شملهم الحديث (... خير القرون...) والخير كله في إتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوه فعلناه وما تركوه تركناه.. كما يقول العلماء، والقاعدة: أنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع على الوجه الذي شُرع. أما إذا قصد بالتصوف تزكية النفوس وتطهيرها من الزيغ والأهواء، فهو مقصود الإسلام ومبدأ من مبادئه وهدف من أهداف تنشئة وتكوين المسلم الصادق.. فإذا كان الإسلام انقياد ظاهري فإن الإيمان انقياد باطني ويكون الإحسان هو إخلاص العمل لله، ولا يفسر بشيء خارجي، فالإخلاص شرط لقبول عمل المسلم، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له سبحانه، وكان ذلك طريقة عمل الصحابة –رضوان الله عليهم- ولو فتحنا الباب أما كلمة التصوف وقبلناها على إطلاقها فإننا نفتح الباب أمام كثير من العادات والتقاليد التي تخص شعوباً متعددة، دخل أهلها الإسلام زمن انتشاره بعاداتهم وتقاليدهم، وقد بحث هذا الموضوع كثير من العلماء، ولهم فيه أبحاث ورسائل أفردوها لهذا الموضوع، من بينها منظومة بعنوان (الطريقة الشرعية وبراءتها من الطرق المنحرفة وضلالاتها) للشيخ عبدالرحمن الأخضري المغربي التونسي المالكي، وهي منظومة مهمة في هذا الجانب لمن أراد الرجوع إليها.
• سلِّم نفسك للقرآن وهو الذي يتولى توجيهك الوجهة السليمة لفهمه.. أما إذا أتيت للقرآن بأفكار سابقة لتفهم من خلالها القرآن، فإن ذلك سيقودك ولا شك إلى فهم قاصر، ومن هنا كانت تسميتي للتفسير (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) لأن الإنسان دائماً يقف في مفترق الطرق ويكون جاهلاً إلى ما تؤدي إليه هذه الطرق، فلو سار في كل طريق فترة ثم رجع إلى نقطة انطلاقه فإن ذلك سيستهلك عمره في ما لا يعني، وقد لا يصل مطلقاً إلى مبتغاه، وحتى لو افترضنا أنه سيصل فإن فترة من أهم فترات عمره قد أضاعها، وبذلك تكون ثمرة الوصول لم تأت كما رغب واشتهى، لكن عندما تجد من يوجهك فإنه في الحقيقة قد اختصر عليك الطريق وذلك على جادة الصواب التي يبحث عنها كل إنسان مجتهد يرغب الوصول.. وبذلك ترك لك أكبر فرصة لتحقيق ما عجز عنه غيرك ممن ترك لنفسه أن تبحث عن الطريق بمفردها.. والتوجيه لا يكون نهاية المطاف بل هو الدليل على الطريق وعلى قدر العزم والاجتهاد يكون الوصول، وقد اخترت هذا النهج عند تفسيري للنص القرآني، فلم أدخل على هذا النص بأي أفكار سابقة لمفسرين أو غيرهم، ففهم النص يحتاج إلى فهم اللغة العربية بأساليبها وبيانها، ونظرة سليمة بعيدة عن الخرافة، وعقل ناضج، وفهم للآيات وسياقها وما تهدف إليه، وبهذا يتأتي لك فهم النص.
• القرآن معجزة دائمة لأنه يحمل إعجازه داخله في ذاته، على خلاف المعجزات المادية التي أيدت الرسل الآخرين غير رسولنا محمد –صلى الله عليه وسلم- فالمعجزة المادية ارتبطت بزمانها ومكانها وبشخصية الرسول المؤيد بها، فأين ناقة صالح وعصا موسى ومعجزات عيسى وغيرهم، انتهت بانتهائهم، ولم يبق إلا القرآن معجزة خالدة ومتجددة لكل عصر في تحدٍ دائم لكافة البشر تطالبهم باتباع المنهج الإلهي وعبادته –سبحانه وتعالى- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى...) فالمقصود بالظهور هنا هو الخروج للوجود والمقصود بالذرية الطفل، فهذه الشهادة تتجدد بتجدد الحياة يومياً وليست خيالية تتم في عالم الدور كما ذهب المفسرون، فاستخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يقابل العبودية والخضوع له، إذن الإعمار لابد وأن يخضع لأمر الله وأن يكون داخل إطار المنهج الإلهي، فالعبودية في معناها طاعة وانقياد لأمر الله، وأمر الله في كتابه، ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- بلغ هذا البلاغ الكامل (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناَ...) ومن هنا كان القرآن منهجاً للحياة ينظمها تنظيماً دقيقاً سواء في علاقة الإنسان مع ربه وخالقه أو في علاقته مع غيره من أفراد جنسه أو في علاقة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ...)
• القرآن يعالج الإنسان علاجاً نفسياً إذا آمنت به إيماناً مطلقاً وصادقاً شفاك من جميع الأوهام، أما علاج البدن فله علاج آخر هو الدواء، لأنه علم إنساني يدرك بالتجارب وتوالد المعارف فهو نتائج ومقدمات، والقرآن كشف لنا أموراً غيبيةً لا يمكن أن يدركها الإنسان مهما مر من زمن، فلا يمكن الوصول إليها بالتجارب لأنها فوق إدراك العقول، ومن هنا نعلم أن نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- ليس طبيباً يداوي الأبدان وإنما رسول يبلغ ما أنزل إليه من ربه.. أما ما يتبعه البعض ويبحثون عنه في كتب السير وبعض الأحاديث ويسمونه (الطب النبوي) فهي تجارب عصرها، وعلينا كمسلمين أن نعيش تجارب عصرنا وتطوره ولا نسلم أمرنا لغيرنا.
• استخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يحتاج إلى تنظيم فلو تركت الأمر بدون تنظيم محكم لعمت الفوضى وضاع الهدف من الاستخلاف، ولو تُرك الإنسان لتحكيم عقله فقط بدون منهج إلهي لضاع رغم هذه الميزة التي حباه الله بها، وانظر إلى سيدنا آدم في أول تجربة يخوضها بشر.. فقد خالف الأمر واستمع إلى نداء نفسه فغره الشيطان فزل، لكنه تذكر فتاب، فكلما كان الإنسان تحت الأمر افعل ولا تفعل يتصرف داخل المنهج يكون قوياً.. ويتصرف بحكمة.. وهذه ولا شك طريقة تقود إلى تحقيق الهدف المنشود من الحكمة الأزلية التي خُلق الإنسان من أجلها وهي العبادة والطاعة، وتجربة آدم تتكرر على الدوام، فكلما تحكّم في الإنسان عامل الشهوة كان سهل الانقياد والاستدراج للسقوط، لكن التجربة لم تتوقف عند هذا الأمر بل تذكر فتاب فرجع إلى جادة الصواب، لكن البشر الذين تتوقف بهم التجربة إلى السقوط فقط ولا يحاولون الخروج تكون نهايتهم سيئة ويكونون قد وقعوا في حبائل الشيطان لعنه الله (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...).
• السياسة لابد وأن تكون داخلة تحت المنهج الذي استهدف تحقيق أمرين: عبادة الله وحده وطاعته في ما أمر به ونهى عنه، وإعمار الكون.. وسياسة الأمر ليس لها شكل خاص يقاس عليه، فهي تتعدد وتتغير وفق الزمان والمكان، ولكن يجب أن يراعى فيها تحقق الأمرين اللذين أشرنا إليهما وفق قاعدة كل ما فيه صلاح المجموع مطلوب (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...) والشورى تحتاج إلى مناخ من الحرية لإبدائها لأن المسؤولية هنا جماعية، ولابد أن ينظر للحكم في الإسلام على أنه ليس عقيدة ولا عبادة، لأنها أمور دنيوية طبيعية، فالأمر الطبيعي النتيجة فيه نتيجة مباشرة، أما الأمر الديني فلابد فيه من وجود أمر واضح صريح (افعل ولا تفعل) والنتيجة والعقاب أخروي.. ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- لم يأمر باتباع طريقة معينة وإنما كان يشاور الصحابة فقد يتفقوا وقد يختلفوا كما حدث في معركة أحد، ولهذا نجد الصحابة –رضوان الله عليهم- قد تعددت طرق الاختيار عندهم لولاة الأمر، فالمسألة إذاً مسألة اجتهادية دنيوية، وتعددت أشكالها وطرقها ولا يمكن حصرها في شكل وطريقة واحدة مع مراعاة الزمان والمكان.
• كان الإيمان في صدر الإسلام إيمان فطرة سليمة لا يحتاج إلى جدل وإعمال فكر، وإنما انقياد وتسليم مطلق لما أمر به الله وجاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولهذا لم تظهر في هذه الفترة مشكلة الجبر والاختيار أو غيرها من القضايا التي تحتاج إلى شحذ الذهن وإعمال الفكر والجدل، ولكن عندما كثرت الفتوحات ودخل كثير من الناس الإسلام من كل ملة ولون ومعتقد، سواء كان الدخول عن طريق القناعة والاعتقاد السليم أو عن نية مبيتة سيئة للكيد للإسلام وتدميره من الداخل بعد أن عجزوا عن التصدي له علانية، فبدأ هؤلاء نشر أفكارهم ومعتقداتهم عن طريق الجدل محاولة لإدخال أفكار في الإسلام ليست منه لزعزعة مكانة الإسلام في القلوب.. عندئذ احتاج الأمر إلى أهل العقول النيرة والفكر السديد للذود عن حماه، واثبات حقيقته وما يدعو إليه من مبادئ سامية بالعقل والحجة ودحض أية شبهة أو تدليس، ولهذا كان للعلماء المسلمين الفضل وعظيم الأثر في نشوء مدرسة في الفكر الإسلامي كانت رافداً من روافد القوة للدولة، ولكن هذا لم يستمر طويلاً، إذ نجح المغرضون في إثارة الفتنة بين السلطة والفكر، وقضية خلق القرآن هي نقطة التوقف لنمو الفكر الإسلامي، فبعد أن كانت الدولة توفر جواً من الاستقرار والثقة والمناخ الملائم لتلاقي الأفكار وتلاقحها ونموها بدأ الصدام، إذ انحازت الدولة إلى فكر معين ضد أفكار أخرى أصبحت مضطهدة ومطاردة.. ومن ذلك الوقت بدأ التراجع والانحدار ودخلنا مرحلة الجمود الفكري، وتغلبت السلطة على الفكر وقزّمته وجعلته يدور في فلكها، وبعد أن كان تياراً عاماً في بداية انطلاقته حرية اجتهاد وحرية فكر، ودور الدولة هو تهيئة المناخ ليؤتي هذا الفكر ثماره، تحول الفكر بغلبة السلطة إلى مبادرات فردية تصطدم بسدود الرفض والتهميش والإقصاء، والإسلام بمبادئه يوفر المناخ الملائم لأصحاب الفكر للقيام بالاجتهاد في كل المجالات، ولهذا وحتى يعود الفكر لإنتاجه لابد أن تكون السلطة في خدمة الفكر وليس العكس، إذن ونحن كمسلمين لسنا في حاجة إلى أن نستورد أفكاراً من الخارج، نحن نملك أفكاراً إسلامية وفق منهجنا القويم (وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ...).
• البعض أتعب نفسه في البحث عن وجود مخلوق قبل آدم, أم أن آدم بداية الخلق, هذا غيب والغيب لا يدرك إلاّ عن طريق النص, ومن يقول أن هناك الطم والرم أو غيرها, فليس له عليه دليل, والباحث محكوم بالدليل القطعي, النص القرآني يقول لنا: أن الإنسان خلقه الله, وكلفه القيام بالمهمة المطلوبة منه, وهذا واضح لا لبس فيه, ومن يستدل على أن الإنسان عند وجوده على الأرض خلف غيره "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة عن الله, أو خليفة عن خلق سابق على آدم, ومن يقول: أن البشر غير الإنسان, قول باطل بلا دليل عليه, والمراحل التي يمر بها الإنسان, وضحها القرآن وضوحا كاملا, وخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان, بعد أن هيأ له مكان الاستقرار, فخلقه جاء بعد خلق السموات والأرض, ليقوم بمهمته خير قيام.
• الباحث يجد قلة النصوص القرآنية التي تتحدث عن الأمور الغيبية, لأنك كانسان لست مطالبا بالبحث, فيما وراء الطبيعة, والطبيعة محددة بالأشياء التي أمامك, ولك أن تبحث فيها بما يعود عليك بالفائدة, أما الأمور الغيبية فعلمنا بها عن طريق النص الشرعي, فإذا وجدت, أنت مطالب بالإيمان بما أورده النص, ولا قيمة لما ورد خارجه, لأن الفكر الإنساني قاصر وعاجز ومحدود الإدراكات, مثل علاقة الإنسان بعالم الجن, هنا علينا الرجوع إلى النص القرآني ليوضح لنا ذلك, أما التسليم بما يعتقده البعض حول هذه العلاقة وطبيعتها, فإنها أمور مضللة ومحيرة للإنسان, تفتح عليه بابا كبيرا للوهم والخيالات, والخيالات لا معنى لها, والوهم غير الحقيقة, فلا يمكن الخلط بينهما, لنتحدث مثلا عن علاقة الجن بالإنسان, التي دار ويدور الحديث حولها كثيرا, في القديم والحديث, لنرجع إلي النص القرآني, لنكتشف أنه بين لنا اختلاف طبيعة هذين المخلوقين, الأول خلق من نار الآخر خلق من طين, طبيعة النار محرقة منهية, طبيعة الطين منتجة, فاختلاف الطبائع منتج لاختلاف الحقائق, فلكل حقيقته فالإنسي شيء والجنيّ شيء آخر, والاختلاف هنا مانع للاتصال, والذي منه التعامل المباشر والتسلط والتحكم وغيرها, لنقرأ طلب سيدنا سليمان في قوله تعالى: "وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" التحكم في الجن وتسخيرهم من بين المعجزات المطلوبة من نبي الله سليمان –عليه السلام– فكيف نصدق بعد ذلك أي مدع يقول لنا أنا أحكم الجن وأتصرف فيه, هذه معجزة, والمعجزة لا يبحث فيها ولا تكتسب بالتعلم, أو أعلم عن طريقه الغيب, والقرآن يقول: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" هذه الآية تكذب من يقول أن الجن تعلم الغيب, وسورة "الجن" لمن يرجع إليها تظهر له كثير من الحقائق في هذه المسألة, وتنزع كثيرا من الأوهام التي علقت في أذهان الناس وأفهامهم, وهي أساطير قديمة, والإسلام يدعو الإنسان إلى التخلص من كل الأوهام والخرافات, ليكون جديرا بحمل الرسالة التي خلقه الله لأجلها, وبينها له في كتابه الكريم.
• الخطأ الذي وقع فيه آدم خطأ طبيعي, وليس خطأ شرعيا؛ لأنه ليس رسولا في ذلك الوقت, إنما إنسان, الإنسان قد يخطئ , والخطأ في الإنسان طبيعي, تترتب عليه نتائج, فلما غره الشيطان أكل آدم من الشجرة, ترتبت على ذلك نتائج الأكل, فوجئ بها آدم, إذا الخطأ الطبيعي نتيجته فيه, والخطأ الشرعي نتيجته يوم القيامة, أي أخروية, يظهر من هو على الحق ومن هو على الباطل, ويترتب على ذلك تواب وعقاب, الإنسان ومنذ أن خلق يحمل طبيعتين "وهديناه النجدين" الخير والشر, وفيه جانب الضعف وجانب القوة, ولو نظرنا إلى خطأ آدم من أين جاءه؟ جاءه من جانب الضعف, والضعف هل هو طبيعي وإلا شرعي؟ طبيعي فتكوينه "فنسي ولم نجد له عزما" تغلبت فيه طبيعة الضعف, فحصل الخطأ, لكن عندما يتعلق الأمر من جهة القوة, يحصل الإيمان, ولهذا تاب ورجع معترفا بخطئه, فآدم أوتي من ناحية ضعفه, أخد كلام عدوه الذي هو غيره, اغتر والمغتر ضعيف دائما, "فدلاهما بغرور" لأن الغرور تغطية وتعطيل لجانب القوة, الدافع للإيمان.. وآدم عندما أقدم على هذا الفعل كان إنسانا ولم يكن رسولا بعد, لكنه إنسان اكتشف جانب القوة في نفسه, وأنه مخلوق قوي إذا اعتمد على الخالق "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" اعترف بضعفه أمام خالقه, وهنا ظهرت الحقيقة, أن الإنسان بدون شريعة ضعيف, جاءه الذكر "فإما يأتينكم منى هذا فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" "ومن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا" من ابتعد عن طريقي فقد ضل, فالذكر هو الكتاب الأول الذي تلقاه سيدنا آدم –عليه السلام- يحكم علاقة الإنسان بربه واستمر كقاعدة مع كل الرسل إلى رسولنا محمد "ص" وهو كتاب الشريعة, إذا المسألة انتهت, القرآن يقص علينا أن هذا الإنسان حصل له ما حصل من ناحية الضعف, وأيضا حصل له ما حصل من ناحية القوة, "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" فالإنسان يكون قويا دائما في مواجهة الشر, ومتغلبا عليه, إذا كانت تؤيده الشريعة الإلهية, أما إذا ترك أمره لنفسه فقد ضعف.
• آدم خلقه الله على طبيعة الإنسان قبل نزوله إلى الأرض وتكليفه بالرسالة , له عقل وفطرة سليمتين, "الذي أحسن كل شيء خلقه", خلق آدم, ثم خلق من نفس آدم زوجه, ليرسخ فينا, أنهما يحملان نفس الطبيعة البشرية, وأنهما يتكاملان , فالمرأة تكمل الرجل, والرجل يكمل المرأة, إن الزوجية تكامل وليس تضاد, "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" أساس لاستمرار إعمار الكون, "ومن كل شيء خلقنا زوجين" في كل الأشياء, حتى الكهرباء موجب وسالب, خلق الله الأشياء وفق منهج خاص, ونجد التكامل مابين المنهج الديني والكوني, والباحث يجد الارتباط وثيق بين المنهجين, "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا".
• نبي الله سليمان حكم الجن على طبيعتهم, مسخرين له, يعملون ما يأمرهم, بينما رسولنا الكريم وكما ينص القرآن "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" أخبر عن ذلك بطريق الوحي ولم يرهم مشاهدة, فالرسالة للبشر مباشرة وطبيعية, والجن رسلهم رسل البشر "إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى يهدى إلى الحق فآمنا به" "فلما سمعوه قالوا أنصتوا فلم قضي ولوا إلى قومهم منذرين" فهم دعاة للرسالة المطالبين بالإيمان بها, فالتكليف حسب الرسالة القائمة, والإشارات في النص القرآني ليست كثيرة ويكفى ما جاء ولسنا مطالبين بأكثر من ذلك, ويوجد عدد من الأحاديث تحدثت عنهم في بعض أمورهم, لكنها أحاديث آحاد ظنية لا تفيد العلم في باب العقائد, الذي يتطلب وجود نص قطعي, كما قال بذلك كثير من العلماء.. والاعتقاد في الخرافات والأساطير, تُنَغِّص على الإنسان حياته؛ لأنه إذا شعر بأن هناك من هو أقوى منه غير الخالق له, ضعفت إرادته وقلت قوته, وفشل في مهمته, وهذا بخلاف الحقيقة, فالإنسان مسؤول وهو قوي يستطيع القيام بما كلف به.
• السحر لا حقيقة له "يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى" "سحروا أعين الناس واسترهبوهم" الحالة التي عاشها من حضر هذا الموقف غير طبيعية, حالة من الخوف والرهبة والانتظار, يخيل والتخيل زيف غير الحقيقة, الباطل مقابل الحق, والخيال مقابل المعجزة, ولهذا ظهرت معجزة موسى حقيقة دحضت خيالات السحرة الباطلة, وهذا ما دفع السحرة للإيمان, وذلك لاكتشافهم للحق مقابل الباطل الذي أتوه, وهم أعلم به لأنهم لم يأتوا بحقيقة "وألقى السحرة ساجدين" رغم حالة الخوف والرعب والاسترهاب التي فرضها فرعون بقوته على الحضور, لكن الإيمان في نفوسهم كان أقوى من كل جبروت وطغيان, ولهذا أعلنوا الإيمان, وطلبوا المغفرة من الخالق رغم العذاب الذي ينتظرهم, مثال للتضحية من أجل الإيمان وإظهار الحقيقة, والقرآن وضح ذلك توضيحا شافيا.
• العقل السليم قوي بل هو حجة, ومن يريد أن يحكم على شيء, إذا لم يوجد عنده عقل لا يستطيع أن يتوصل إلى ذلك الحكم، ومن يطالب بالتسليم أمام النص, لابد وأن يفهم أن شرط ذلك ثبوت الصحة له, وليس التسليم أمام كل نص وإن كان ضعيفا أو مكذوبا.
• القرآن يأتي بالقصة للتذكير والاعتبار, وليس لغرض الترفيه والتسلية, ولهذا فهو يحدثنا عن نماذج ظاهرة بارزة, فهو عندما يحدثنا عن الحكام الطغاة, يذكر لنا فرعون في أكثر من موضع وآية؛ لأنه أكبر طغيان يصل له الحاكم, هو ادعائه الألوهية "أنا ربكم الأعلى" ثم نجده في موضع آخر يحدثنا عما فعل ذي القرنين, وكيف تصرف بحنكة وحكمة في الحالات التي مرت به, وكيف عالجها , فالحاكم في الإسلام عليه أن يسلك سبيل الرشد والإصلاح؛ لأنه ليس طاغية, يتمتع ويعبد, وإنما هو ولي أمر ومسؤول مسؤولية كاملة.
• دعوى"المحبة والسلام" التي تدعيها المسيحية, دعوة باطلة يكذبها الواقع, فلا محبة ولا سلام, وإنما حرب ودمار, وارتباط ذلك بنزول عيسى ليحقق لهم هذه الدعوة في آخر الزمان, عندما ينزل, موضوع فيه نظر؛ لأن اعتقادهم الراسخ أنه ابن الله, وأنه صلب ومات على الصليب ثم بعث ورفع إلى السماء, في انتظار النزول مجددا, وهو اعتقاد باطل من أساسه, بدليل آيات القرآن, التي تحدثت عن ذلك, "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا" "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا" وأما عقيدة الصلب والتشبيه فقد وقع فيها قول كثير, والأسلم والأصوب التمسك بما أورده النص القرآني "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" والآية نفت القتل والصلب, ونقضت معتقد المسيحية في ذلك, ولكن حدث اللبس عند بعض علماء المسلمين في "شُبِّه لهم" ما هو الذي شبه لهم؟ البعض قال شبه لهم الشخص, بحيث ألقى الله شبهة عيسى على أحد الأشخاص, فنال الجزاء على اعتبار أنه الواشى, ونجى عيسى من المكر والكيد, وأيدوا رأيهم بحديث آحاد, اعتبروه مسلما ولا يقبل النظر, وهذه الرواية توافق ما جاء في الإنجيل المكذوب وما فيه من حكايات وخرافات, وهي حكايات مصنوعة لا قيمة لها, ولكن عددا من العلماء المحققين نفوا ذلك, والمتأمل للنص يظهر له أنه "ما قتلوه يقينا" يقينا ما قتلوه, وانظر إلى بداية الآية "مالهم به من علم إلا اتباع الظن" أن ما يعتقدونه في عيسى هو مجرد ظن ووهم لا يثبت فيه شيء من الحقائق, ولهذا انتفى القتل وانتفى الصلب وانتفى الشبه كشخص, لكن بقى سؤال, ما الذي شبه لهم إذن؟ شبهت لهم حكاية الصلب وما تبعها من حكايات أخرى, وهي شبهة ألقاها اليهود الشياطين ليفسدوا ما جاء به عيسى, وقبلها النصارى الدراويش, وجازت عليهم, وأصبحت معتقد يكفر من ينكره عندهم "إلا ليؤمنن به قبل موته" ليس النزول كما وهم البعض, وإنما هو الإيمان بالصلب كمعتقد, ولهذا يحاولون نشره بكل الطرق وبكافة السبل, حتى أنهم حصروا المسيحية في الصليب, وعلى مختلف فرقهم "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" يكون عيسى عليهم شهيدا يكذب معتقداتهم, المخالفة لما نزل به – عليه السلام.. ونجد أن فكرة المخلص الذي يأتي آخر الزمان ليحقق النصر لأتباعه, فكرة منتشرة عند الشعوب, فاليهود ينتظرون مخلصهم, والنصارى ينتظرون نزول المسيح وعودته للدنيا مجددا, والمهدي المنتظر ينتظره الشيعة ليحقق لهم أحلامهم, حتى عند الشعوب الوثنية توجد فكرة المخلص والمنقذ , الذي يأتي ناصرا لهم, وهي كلها عقائد باطلة, فليس لهم طريق للخلاص مما هم فيه من ضلال وضياع, إلا طريق الإسلام "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فلا دين إلا دين الإسلام, الذي نزل به محمد –صلى الله عليه وسلم– كخاتم لجميع الأنبياء والرسل, وهي قاعدة يجب الاحتكام إليها, في صحة نزول عيسى من عدمه.
• العادة فيها مصلحة دنيوية, أما العبادة فهي مصلحة دينية, تتطلب وجود نص من الله, وعمل من الرسول "افعل ولا تفعل".. وكن مع الله تهون عليك المشقة "استعينوا بالصبر والصلاة " أما إذا كنت مع نفسك وكلت لنفسك, ولهذا كان الرسول "ص" إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.. الإنسان وهب المعرفة ووهب التبعية, ولهذا إذا جهل أو خالف ضاع وأضاع.. واللغة تعطيك الحقيقة؛ لأنها طريق الفهم.
• لم يكتب الحديث في عصر الرسول؛ لأن الرسول حيّ موجود أمامهم, وهو يبين للناس ما نزّل إليه, فهم ليسوا بحاجة لكتابة الحديث, أيضا لم يكتب بعد وفاته مباشرة, لكثرت الفتوحات ودخل الناس من كل جنس ولون, إلى الإسلام ولكن لم يرسخ في نفوسهم بعد, ولم تثبت أركان الدولة الإسلامية في الأماكن المفتوحة, ولو فتح باب التدوين عندها, قد يكون بعض من دخلوا يحملون أفكارا غير إسلامية يريدون إدخالها في الإسلام, وبذلك نمنحهم الفرصة, وهو من باب سد الذريعة, وهو مبدأ إسلامي, ولكن بعد أن امتنع الخوف من ذلك وأصبح الحديث محفوظا, بدأ تدوين الحديث في عهد عمرو بن عبد العزيز سنة 92 هجرية, لكن وجد قبلها مدونا عند عدد من الصحابة, كل يكتب لنفسه, ولكن بعد ذلك جمع وأصبح مشهورا ومعروفا كعلم يدرس.
• كتب الحديث ليست كتاب دين, وإنما كتاب الدين في الإسلام هو القرآن, والعمل بالحديث جعل العلماء له شروطا, مثلا عند المالكية لابد وأن يكون الحديث معمولا به, وهذا عندهم هو الحديث الصحيح, ولا يقصد بالصحة ما ورد في كتب المصطلح؛ لأنها ظهرت متأخرة بعد القرن الرابع, وظهرت معها كثير من المصطلحات في علم الحديث, من بينها ليس ما صح سندا يصح معنى.
• الولاية: هي تولى أمر الله, والقيام بالواجبات, وترك المنهيات, كما أمر بها الله سبحانه وتعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة" وهذا تكريم للمؤمنين الحقيقيين, وهي كرامة لهم, وليست الكرامة إتيان الشخص أمرا خارجا عن سنة الله في الأشياء, فحقائق الأشياء ثابتة وفق ما خلق الله بإرادته سبحانه وتعالى, الولاية ليست لأفراد مخصوصين, ولكن لكل المؤمنين, ولكن هناك درجات, لكل مؤمن درجة حسب عمله, ولهذا تتفاوت الدرجات. والولي كما نظر إليه الصوفية, هو إنسان متميز ويملك قدرات خارقة, لكن القرآن لم ينص على ذلك "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون" إذا اجتمع الإيمان والتقوى, كان المسلم وليا لله, كل ما في الإسلام مبني على الوضوح والتوضيح "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك" هكذا قال رسول الإسلام "ص" فعلاقة الإنسان بالله, لا تأت عن طريق الوهم أو الدعاوى الباطلة, وإنما عن طريق الحقيقة.
• العمل الشرعي لابد فيه من أمر الهي, ونحن احتفالنا بالمولد النبوي على أنه دين, ولا يوجد فيه أمر بالعمل, وحتى من يدعى أنها عادة حسنة ولا شيء فيها لا يجوز؛ لأن الاحتفال قرن بالرسول"ص" والرسول مقدس ديني, وكل ما نعمله له يدخل في الدين, والدين لم يأمرنا, المسائل الدينية "التكاليف " مبنية على الأمر, وليست عادة فطرية.
• تعدد أنواع التفاسير, يدل على قوة النص, فكل يفهم منه حسب تخصصه وقدرته, ولكن لم يصل أحد إلى الغاية النهائية للنص القرآني.
• أي دعوة للإيمان بلا دليل باطلة, "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" أي بسبب ما أنزل إليه من ربه, والمؤمنون آ منوا بما آمن الرسول, وهذه قاعدة مهمة جدا؛ لأنه بلا شريعة يأتينا العقل, والعقل قد يأتي بأشياء ليس له عليها دليل, وهو يختلف من شخص إلى آخر, ولا وجود لعقلين متشابهين , فعلاقة المؤمن بربه ليس لها إلا طريق واحد وهي الشريعة.
• الإسلام والإيمان والإحسان, ليست تقسيمات ثلاثة, وإنما هي ثلاثة في شيء واحد؛ لأنه لا يكون مؤمنا وليس مسلما, ولا يكون مسلما غير مؤمن, لأنه يكون منافق, "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" هو إسلام على طمع أو على خوف, ومن صحة الإيمان القصد, والإحسان إخلاص وهو شرط في العمل, فهو مثلث مكتمل, إذا اكتمل اكتملت حقيقته, ونال الإنسان شرف الولاية, أي يكون وليا لله؛ لأن الإنسان مفتقر بذاته.
• الصراع الثالث وهو الأقوى والأخطر, يكون ما بين المنهج ومن جاءوا به "الرسل" والجماعة, فنظرة المجتمع للرسول في بداية رسالته, أن دعوته خروج عن المألوف, وأنه جاء ليدمر مجتمعه, ويخرجهم عن عاداتهم وتقاليدهم, التي اعتادوها وألفوها, ولهذا فهو ضد مصلحتهم, فيجب على الجميع الوقوف ضده ومحاربته, ويرون ذلك مصلحة لهم, لكنهم جهلوا ما فيه صالحهم, لكن عند اكتشافهم للحقيقة, تجد الخيرين منهم, أصحاب الفطرة السليمة, يسرعون إلى الإيمان؛ لأنه المصلحة الحقيقية "إنما المؤمنون أخوة".
• أول خلاف حصل بين المنهج والغريزة داخل نفس الإنسان, وهذا ما تعرض له سيدنا آدم عليه السلام وزوجه "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" وقد وضحت آيات القرآن هذا الصراع توضيحا دقيقا, على اعتبار أن هذا الصراع يتكرر مع الإنسان, ويتجدد دائما, قال سبحانه وتعالى في سورة الناس:"الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس"
• الخارج على المنهج ينظر للمتمسك بالمنهج على أنه عدو له, يقف ضد مصلحته, فيحاول السيطرة عليه على اعتبار أنه الأقوى, وهو في حقيقة الأمر الأضعف, فالإنسان بدون المنهج ضعيف, والمنهج لا يصنعه الإنسان, ولابد أن يكون من عند الله صانع الإنسان, وقد أشار القرآن إلى مثل هذا الصراع بقوله: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين". إذا المنهج هو المسير لحياة الإنسان, وهو طريق الوصول إلى الغاية من وجود الخلق "إني أخاف الله رب العالمين" "فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من النادمين" فالندم عقاب ذاتي داخل عقل الإنسان المرتكب لفعل خالف به المنهج الإلهي, ولهذا تجد كثيرا ممن ابتعدوا عن المنهج يطلقون لشهواتهم العنان, "عش يومك" والشهوة مغيبة للعقل الذي كرم الله به الإنسان "خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" وهو صراع مستمر ودائم مادامت الحياة.
• المخربون دخلوا عن طريق التصوف المنحرف, للقضاء على الإسلام والمسلمين, ولذلك تجد أتباعهم يؤيدون كل ما يخالف صحيح الدين, الذي جاءت به آيات القرآن الكريم, والسنة النبوية الصحيحة.
• العادة دين العامة, فإذا كشف زيفها, حسوا بأنهم قد فقدوا دينهم, ولهذا تراهم يدافعون عن تلك العادات الغير شرعية بشراسة, ويتمسكون بها أشد التمسك.. وأول قاعدة للبشرية, عليهم الانتباه لها "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة على الله, ولهذا علم آدم, أي ركب فيه آلة التعلم وأوجد فيه العقل ليعلم عن طريق المقدمات والنتائج, وقوة النطق, واستفادة المجهول من المعلوم, ولهذا امتاز الإنسان عن غيره من الأشياء التي سخرها الله, ولهذا الإنسان الكافر سيعاقب؛ لأنه علم وخالف ما علم.. والقاعدة الثانية, أن علم الإنسان ودينه وحضارته كلها من الله, وليس من غيره, لكن المسؤول عن الأرض وما فيها صلاحا وفسادا هو الإنسان "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
• هناك أسس على المسلم أن ينطلق منها لفهم القرآن الكريم وهي:- العلم والبعد عن الخرافة والفطرة السليمة والعقل الكامل, وهذه طرق الفهم والإدراك الصحيح للنص.
• دعوى الإنسان أنه يعلم كل شيء دعوى باطلة, وهى دعوى الفلاسفة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ودعوى التسليم للغير دعوى ضعف, وهي دعوى بعض الصوفية, أما ما يجب على المسلم أن يتمسك به, هو الصدق في القول والإخلاص في العمل دون غرض أو منفعة.
• العامة قيد على العلماء, في كشفهم عن الحقيقة, وخاصة إذا سايرهم العالم لمطمع في نفسه, فقد سقط في الهاوية, وبعد أن كان العلم بحقيقة الشيء هو الذي يقود, أصبح يقاد, وبذلك تحول إلى تابع بعد أن كان متبوعا.
• نظام الحكم الإسلامي شورى, وهي ليست عقيدة ولا عبادة, وإنما مسألة دنيوية, وهي أمر طبيعي, تتطلب وجود الحرية الشخصية للاختيار, والأمر الطبيعي نتيجته فيه وهي نتيجة مباشرة, مترتبة على الفعل, أما الأمر الديني فلا بد فيه من وجود أمر إلهي "افعل ولا تفعل" والنتيجة، والعقاب أخروي, وهذا ما كان سائدا في صدر الإسلام.
----------
(*) سبق نشر الحوار في صحيفة أسواق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق