ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

السبت، 9 أغسطس 2008

أين ليبيا في نشيدها الوطني ؟

(1)
النشيد الوطني من أبرز الشعارات التي تميز كل دولة عن أخرى، ويعكس هوية الدولة والملامح الوطنية التي تعتز بها، ويحمل في كلماته وألحانه وطريقة الإنجاز الصوتي التي يؤدى بها السر (الشيفرة) المشحونة بمشاعر الانتماء والحب للوطن، كما يضمن معاني التسامح والسلام والمحبة، ويبتعد – غالبا- عن الدعوة للعنف والكراهية، وعزف النشيد الوطني في المناسبات الوطنية وفي المدارس من التقاليد الدولية التي من خلالها ترسل تلك الشيفرات العاطفية الواصلة والجامعة بين المواطنين ووطنهم، لترتبط الأجيال بها ارتباطا شرطيا يحيلها مباشرة (عند سماع النشيد الوطني أو رؤية العلم الوطني) إلى حالة: الوطنية.. تلك الحالة التي يصبح الإنسان فيها مندمجا مع الوطن. الأمر نفسه ينسحب على الراية الوطنية التي تحيل مباشرة إلى شعارات أو قيم وطنية تعني في مجملها (الوطن) بكل فسيفسائه، ولعل اختيار ألوان الراية الوطنية من قبل مصممي غلالات لاعبي المنتخبات الرياضية يعكس القصد التعبوي للاعبين ليقدموا من أجل الوطن (وليس من أجل اللعبة) كل إمكانياتهم الفنية، ويمكن أن نتصور ذلك في انفعالات اللاعبين وتقبيلهم القمصان - رمز الراية الوطنية - عند تسجيل الأهداف في كرة القدم. فألوان الراية الوطنية تختزل قيما وطنية خاصة، وترمز إلى آمال وطنية خاصة، وتعكس في كل الأحوال الخصوصية الوطنية، شعبا وثقافة وتاريخا وجغرافيا.
(2)
الراية الوطنية الليبية الحالية (العلم الأخضر) هي الراية الوطنية الوحيدة في العالم التي لا تحمل ألوانا متعددة، بل تكتفي بلون واحد، هو اللون الأخضر، ومن المعلوم أن تعدد الألوان في الرايات الوطنية يأتي غالبا رامزا لعصور تاريخية مهمة أسهمت في تشكيل الشخصية الوطنية، ورامزا للمكونات الثقافية الوطنية.. وبالمناسبة فقد توافق اتخاذ العلم الأخضر راية للبلاد لأول مرة في سنة 1977، وهي السنة التي أعلن فيها نظام سلطة الشعب في ليبيا، ويأتي اكتفاء الراية الوطنية الليبية باللون الأخضر انسجاما مع اللون الرامز لنظام سلطة الشعب القائم على فكر الكتاب الأخضر، فرمزيته تنتمي للآني، ولا تحيل إلى المحطات المهمة في تاريخ ليبيا، اللهم إلا إذا استثنينا الدلالات الدينية ذات البعدين الصوفي والشيعي، حيث إن (العلم الأخضر) يشبه راية الدولة الفاطمية التي كانت ليبيا تخضع لسلطانها.. ومن المعلوم أن قرار اتخاذ العلم الأخضر رمزا للبلاد جاء عقب فشل مشروع الوحدة العربية مع مصر وسوريا، وهو المشروع الذي كانت رايته الوطنية هي نفسها علم الدولة المصرية اليوم.
(3)
في النشيد الوطني لا يمكن أن تكون المكونات الثلاثة (النص واللحن والأداء) متلائمة مع معايير خارج إطار الوطن، فهي لابد أن تكون مشحونة بحمولات تبعث في أبناء الوطن الواحد مشاعر واحدة، تجمعهم في حب شيء واحد، هو الوطن. نشيد (الله أكبر) النشيد الوطني لليبيا منذ سبتمبر 1969 عبارة عن أغنية مصرية اشتهرت في مصر وسوريا أثناء حرب السويس، وهي تعكس أجواء الحرب والحماس للقتال حيث المدافع والأعادي والمعتدي...إلخ، ولا وجود في الأغنية لذكر لـ(ليبيا) أبدا، ولذلك فهو يفتقد الخصوصية الليبية، ويعتمد على عموميات جعلته جاهزا لأن يكون حاضرا للتعبئة في أي حالة حرب، وهو ما كان بالفعل، فقد استعان به الفلسطينون في بعض حملاتهم التعبوية الموجهة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، كما هو الحال مع أغنية (وين الملايين) وأخواتها الكيلانيات (نسبة للشاعر الليبي علي الكيلاني).. فأين ليبيا في نشيدها الوطني..؟ أحد الأصدقاء حدثني عن محاولة للموسيقار الكبير كاظم نديم تقديم مقترح لنشيد وطني بديل، قائم على قصيدة وطنية لشاعر ليبي هو شيخ الشعراء أحمد الشارف في قصيدته المشهورة: "رضينا بحتف النفوس رضينا * * * ولم نرض أن يعرف الضيم فـينا ". وعلى الرغم من أن هذه المحاولة – إذا صحت – لم يكتب لها النجاح، فإن الوجدان الجمعي لليبيين انتقى من المدونة الفنية الليبية أغاني تقوم مقام النشيد الوطني في إنعاش وطنيتهم، هذه الأعمال الفنية الوطنية الرائعة ظلت تسحر قلوب الليبيين وتملؤها عشقا لوطنهم الغالي: ليبيا، ومن هذه الروائع: (هذه الأرض هي العرض لنا) للراحل محمد صدقي، و(تعيشي يا بلدي) التي جمعت الثلاثي الفاخر أحمد الحريري، وعلي ماهر، ومحمود كريم، وربما كانت رائعة علي صدقي عبدالقادر (بلد الطيوب)، هي الأبرز، وأكثر الأعمال التي جذبت اهتمام الليبيين، واستفزت فيهم الوطن موشحا بالحب والشعر والياسمين، وهو ما افتقدوه في نشيد (الله أكبر) حيث دجج الوطن بالمدافع، وتسربل بلغة العنف، واختزلت الحالة الوطنية برمتها في حالة حرب، خطابها الرئيس (إذا فنيت فسوف أفنيه معي).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق