ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الخميس، 26 يونيو، 2008

الشاعر الكبير لطفي عبد اللطيف في آخر حواراته:

• الأستاذ أمين مازن كان صادقا معي • عندما توفي جدي بكيت عليه ومشيت في الجنازة وأنا صغير، ولست مستعدا أن أُسمع قصتي هذه لكل شخص • الفراعنة الذين ادعوا الربوبية وطغوا هم أهون بكثير من فراعنة اليوم.. أنا أتكلم عن الواقع
لم أصدر قرارا بأن أكون شاعرا
أنا قصة في المدائن تشبه غيري فتى لم تسابقه أيامه وانتباه العيون إذا هبت الريح يأسى ويحزن إذ يلتقيه السكون وعنوانه حيث تلقاه فالوقت أن يبدأ العاشقون وأن ينتهي العاشقون لطفي عبد اللطيف من طفولته إلى يوم الناس هذا وهو على أبواب الستين لم يصدر قرارا أن يكون شاعرا، ولكن كنت دائما مدفوعا ومجذوبا في نفس الوقت إلى هذا الفضاء الرحب، المليء بالعبارة الموزونة المقفاة، والعبارة التي تريد أن تجول المعتاد وغير المعتاد. الآن أستطيع أن أعبر عن هذا بأساليب مختلفة لم أكن أعرف هذا من قبل، ولكن بالرغم من أني لم أصدر قرارا، أنصح كل شاب يريد أن يمارس كتابة النص الشعري أن لا يقرر أن يكتب النص الفلاني أو غيره، وإنما يترك صورا تعرض نفسها عليه، ويدخل في حضرتها، ويحاول قدر الإمكان أن يترجم التفاعل الذي يتم بين وجدانه وبينها، والحديث يطول في هذا الموضوع.
رفضت شعر ابن الوردي وأنا طفل صغير؛ لأنه يبدأ بإصدار أوامر
طفولتي كان فيها سيطرة القرآن الكريم، كان والدي يعلمني القرآن في المنزل مع ثلاثة أو أربعة من أطفال الجيران، وكان التعليم في ذلك الوقت، إلى جانب القرآن، يتضمن تحفيظ بعض المتون المتعلقة بعلوم الفقه واللغة، ومن هنا جاءت الفرصة للطالب في شبابه أو مراهقته ليجد هذه الكتب موجودة في ذهنه، وهذه طريقة معروفة في التربية ذكرها ابن خلدون وغيره وهي الحافظة ثم الملكة....إلخ، فالتعبير العربي من أكبر أبوابه القرآن الكريم، ثم متون اللغة، ثم خلقت هذه العلاقة بيني وبين الشعر، وأيضا هناك شيء آخر حيث لم يكن ثمة إذاعة أو قناة مرئية فكان الناس يغنون، فتعلمنا ونحن صغارا البردة والهمزية، وأذكر أن والدي رحمه الله أحضر لي قصيدة وحثني على حفظها: اعتزل ذكر الأغاني والغزل وخذ الفضل وجانب من هزل وأجدني في هذه السن عندما ذهبت أزور الشيخ حسن عريبي في مقره حيث قال لي: قد لحنت لابن الوردي، فقلت له: هذا الرجل فُرض علي وأنا طفل صغير ورفضته، لأنه يبدأ بإصدار أوامر، والشعر يلقي أسئلة ويعرض صورا ويعبر عن مكنون ويشتكي، وحتى عندما يكون شعرا كثير الشكوي يجب أن يتوجه بالشكوى إلى وجهتها الصحيحة وهي المولى جل في علاه. وحتى في شبابنا كانت هذه القراءات أكثر من الأكل واللبس ومن كل شيء، أذكر أنني في مصراتة عندما كنت موظفا بدائرة الأملاك وبعد الخروج من العمل أذهب لتناول الغذاء ثم أعود للمكتبة العامة وألتهم الروايات، أذكر أنني قرأت أغلب الروايات الموجودة في ذلك الوقت، وأذكر أنني قرأت في أيام معدودة قصة "تجاربي مع الحقيقة" لغاندي، كانت قراءات متنوعة في السياسة والأدب والرواية، وبعض الروايات الأناشيد وبعض المقررات المدرسية التي قادتنا فيما بعد أن نقرأ بنفس هذه اللغة.. وعندما قرأت "قالت لي السمراء لنزار قباني، وكان موجودا رفقتي عدد من الأصدقاء ومن ضمنهم عبد الكريم الدناع على ما أذكر، فكنت أسأله هل هذا الشكل من الشعر موجود في الأدب الفرنسي ؟ فكان يقول لي: ومن أين لي أن أعرف ما في الشعر الفرنسي حتى أقول لك..!
الواقع الذي يعيشه العالم تدخل في نصنا الشعري وجاء بروح الخطابة
ملت إلى مدرسة شعر التفعيلة؛ لأنه أعجبني فيها التحرر من قيد البحر خصوصا البحور متعددة التفعيلات كالطويل والبسيط وغيره، ولكن موحد التفعيلة كالهزج والرمل يسمح لك بأن تضع صوتك في ثلاث تفعيلات أو تفعيلتين أو عشرة.. بحيث يمكن لك أن تتحرر بحيث لا تكون مقيدا، فليس هروب من القيد بقدر ما هو إخلاص للموسيقى والميزان، والإخلاص للجرس والروي، فمدرسة شعر التفعيلة هي ما نشرت به، والحقيقة استعجلت بالنشر لأنه مهما كان التكون والتمكين من الأدوات فالسن والتجربة لها دخل كبير في التعامل مع النص، وعملية اتخاذ القرار عندما تكون الحياة مأخوذة بعديد الأحداث الكبرى، وأنت جزء منها، مثلا القضية الفلسطينية أو حرب فيتنام أو توجه العالم إلى اليسار أو ثورة الطلاب في أوروبا، تلك الفترات التي كنا فيها شبابا جعلت للواقع الموجود عليه العالم تدخل في نصنا الشعري وبالتالي تجد فيه روح الخطابة، وتجد فيه سذاجة التناول، لكن هذه السذاجة غير تلك المصداقية التي رافقت النص الشعري ولم تتركه يهجرنا، حتى اعتقد الناس أن قصيدة التفعيلة قد انقرضت وانتهى أمرها.
لا أجد تناقضا فيما قلته سواء وأنا في سن العشرين أو أنا في سن الستين
الشعر يظل شعرا لأنه متعلق بشاعرية داخل الشاعر، وبشاعرية موجودة في الكون، فالشعر خطاب كوني جميل، وهو شيء غيبي، أنا لا أستطيع أن أثبته تجريبيا أو حتى أحيانا بالتعابير اللغوية، ولكن هناك شاعرية داخل الإنسان الشاعر، وهناك شاعرية في الكون وبينهما هذا النص الذي يترجم بلغة محدودة يترجم الإحساس أو التطلع أو الحلم، وله علاقة أيضا بواقع الإنسان من حيث التمكن والحرمان، وليس بالضرورة أن يكون الحرمان من قبل متسلط من قوى أكبر، أحيانا صحتك تمنعك من المشي أو الأكل أو الاستمتاع ببعض الشهوات أو الامتناع وعدم القدرة على اتخاذ موقف، فكل العوامل التي من المفترض أن يكون فيها الإنسان إنسانا، إنسانا بعقله، بنفسيته، بفطرته، بما فتح الله عليه، سيواجه الآخر ويواجه الأحداث، فالنص الشعري بعد أن يوضع يشعر واضعه براحة، بمتعة، فأنا شخصيا إلى حد الآن أشعر أن هذا النص الذي عرض على نفسه أكملته، لأن هناك نصوص أكتبها في وقتها، مثل نص " عبد الله أوجلان"، أو قراءات في وجوه العملة: فراغ وضيق وأول أخبار يومك نفس الطريق وآخر أخبار يومك لا شيء مما تطيق نهارك والليل وجهان والعملة الصبر والسوق تواقة للرقيق فماذا التحرر بين الرحى والحصيد وتنور حرق النوى والدقيق وماذا، وبين المجاديف والموج لا حول للبحر لا للغريق لا زال لقصيدة التفعيلة والقصيدة التقليدية رونقها، المهم أن يكون النص حقيقيا، ويتعلق بالشاعرية الموجودة في الكون وملتزما ببعض المراجع الصادقة التي تدعوك إلى طمأنينة، تدعوك إلى أن الغيب قد يكون جميلا، وأن لا تكون من الذي لا مولى لهم، فعندما تجد المولى عز وجل يقول: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم" نحس باطمئنان، ثم إنه يخاطبك بمنتهى المصداقية: أنا وضعت فيك كذا، وأدعوك إلى كذا، فالمولى جل وعلا يحب الصدق ويحب الصادقين، وشخصيا لا أجد متعة إلا بعد أن أمارس هذه المصداقية أنا والشعر، والحديث ذو شجون... وربما في جلسة أخرى أقول لك كلاما آخر، ولكن متناسق تمام التناسق، فكلما راجعت نفسي عما كتبت في السابق عن الشعر والشاعرية، باختلاف مستويات التناول بأسلوب العرض وغيره، لا أجد تناقضا فيما قلته سواء وأنا في سن العشرين أو أنا في سن الستين، فهذه الموهبة بالمصداقية من الله سبحانه وتعالى تجعل الإنسان متمتعا بالصدق إلى أبعد الحدود، وهذا في الشعر أو فيما أكتبه من نثر.
اسمي: عبد الباسط
يبقى شيء آخر.. عندما أريد أن أهرب من الشجن ومن الهم أهرب إلى الفكاهة، وحتى المقربين مني ومنهم زوجتي عندما يسألون أين عبد الباسط اليوم! طبعا اسمي عبد الباسط [يقصد هنا معنى الانبساط والنكتة والبهجة، كما يقال: أين يحيى؟ أي أين ذهب الحياء ؟... المحرر] ففيها ذاك المقال الساخر وهناك أشياء أكثر من ذلك، والحمد لله أن السخرية فيها شيء، وعندما سمعت من يتكلم عن البوكيمون، قلت: أفتح يا سمسم والأحسن ما تفتحش كنزك لهفوه وخلوا في مكانه وحش جيعان وعطشان وينظر ما يشبحش ويادمنة قولي لكليلة ممنوع الخراف الليلة خرافك وأفلام العيلة خذتهم أفلام الكرتون فهذه المونولوجات أفر إليها في بعض الأحيان فأجدها مسلية، بعض الأصدقاء يقولون لي هذا كلام كبير، أقول لهم: إذن أنا لم أستطع أن أفر من الكلام الكبير..! حتى وإن أتيت إليه عن طريق المجاز فأنا مادح لفضل الله سبحانه وتعالى الذي جعلني أميل إلى الصدق أكثر من التصنع والأمور الأخرى الوضيعة.
لو عدت إلى ذلك الزمن لن أنشر هذه الدواوين
- كتبت في مقدمة "أكواخ الصفيح" أنني من مدرسة الشعر الحر، وتأثرت بالشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي خاصة في ديوانه" مدينة بلا قلب"، وأثناء الطباعة كتبت (مدينة بلا قلب لعبد الوهاب البياتي) وأنا متأثر بالاثنين ولكن بالأول أكثر، فأخذها القراء فيما بعد - والسابحون في الماء العكر – على أنها من ضمن الجهل المركب الموجود عند لطفي عبد اللطيف، وابتلعتها، والوحيد الذي أكد أن هذا مجرد خطأ مطبعي هو الأستاذ أمين مازن، فكان أول من حياني، وكان صادقا معي، فقال: هذا الشاب الذي كنا أحيانا نتخذ من بعض نصوصه المنشورة في الصحف مدعاة للسخرية، وكان إنسانا مبتعدا عن الآخرين، ذنبه أنه لم يكن يأخذ رأيا أو يسأل استشارة، والحقيقة أنه كانت عندي مجموعات أخرى أتحدث معها، ولو عدت إلى ذلك الزمن لن أنشر هذه الدواوين لما فيها من خطابة وتأثر، فمثلا "أكواخ الصفيح" فيه الرحلة الأولى تكاد تكون في سياقها صورة طبق الأصل للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي عندما جاء من القرية إلى القاهرة، والأستاذ عبد الكريم الدناع الذي يعرف حياتي عن قرب اتهم مصداقيتي فيما ذكرت، خاصة حين ذكرت أن والدي قد توفي وأنني دفنته، رغم أن والدي لا زال حيا حينها، وهو لا يعرف حقيقة أخرى هي أنني إلى سن الثامنة لم أكن أعرف والدي الحقيقي رحمه الله، لأنني تربيت في بيت جدي لأمي مع خالاتي، وفعلا عندما توفي جدي رحمه الله بكيت عليه ومشيت في الجنازة وأنا صغير، فأنا ذكرت حقيقة أخرى لا يعرفها عبد الكريم الدناع لكن هو من حقه أن يقول ذلك.. أرأيتم كيف تكون المصداقية؟ فهناك أشياء تغيب عن الآخر لكن لست مستعدا أيضا أن أُسمع قصتي هذه لكل شخص طبعا.
الشعر أحلى من (زميتة بالعسل)
في البداية.. المحاكاة، وقد قرأت من سنوات قصيدة لمحمد علي شمس الدين عن قانا، أثرت في تأثيرا كبيرا جدا، كحال أي شعر جيد، واستمتعت بقراءاتها استمتاعا حقيقيا، وأذكر مرة وأنا هنا في مصراتة أستمع إلى المذياع في الصباح وآكل (زميتة بالعسل) وكانت موجة المذياع على إذاعة الرباط، فاستمعت إلى رجل عجوز يعزف على العود ويغني قصيدة عربية، يا ليتني كتبت البيت (يحاول لطفي عبد اللطيف أن يتذكر بيت الشعر... المحرر) يقول فيها [ما معناه] عشقناه من رؤيتنا له في المنام، حتى تمنينا أن لا نستيقظ أبدا، وعشقناه في يقظتنا حتى تمنينا أن لا ننام أبدا، قال كل هذا في بيتين من الشعر، وهناك فقط عرفت أن هذا الذي سمعت أحلى من الذي على لساني. وبعد أن قرأت قصيدة محمد علي شمس الدين، كنت قد سمعت بخبر وفاة المطرب خالد سعيد، وأنه بقي حتى تعفن في بيته دون أن يعلم به أحد، فكتبت قصيدة طويلة نشرت في إحدى الصحف لا أذكرها الآن، وعندما كتبتها أتيت إلى بعض الأصدقاء وعرضتها عليهم وأخبرتهم أنني متأثر بقصيدة وجدتها في "أخبار الأدب" وطلبت منهم المقارنة بين الاثنين، ولو لم أقل أنني كتبتها متأثرا بتلك القصيدة لما عرف أحد، لأن هذه مكتوبة في شأن وتلك في شأن آخر، فالتأثر عندما يمتلك الإنسان أدواته ويصبح له كونه الشعري كما يقول الأستاذ خليفة التليسي، عندها لا يخشى شيئا، لا يخشى من ثقافته الفرنسية ولا من الأجنبية، ولا من قراءاته، فإنه لابد أن تأتيه صورته هو، واستعداده هو للمعاناة الطويلة.
أقسمت عليك... أن تعشق
فهذه مصداقية الشاعرية الموجودة في الكون، لا أعتقد أننا بلغنا من العلم ولا من التمتع بالحقيقة ما يؤهلنا لمعرفة ما هو موجود وأعطاه المولى من مصداقية في هذه الحياة التي هي دنيا وليست عليا، فمصداقيتك عندما تتمكن من أدواتك، تصبح المسألة شبه تلقائية، تتلقى الصور ثم تترجمها في أعمالك.. أنا أذكر آخر هذه القصيدة وهناك من الشباب الذين يجالسونني (أنا أسميهم المريدين) في طرابلس يكررونها لي باستمرار: قد كنت بدأتك بالتسليم قبيل مجيئي وملأت فؤادي عطرا من جنات الروح أخفيت التالف والمجروح أعددت حمية الاستنفاذ فقد لا أرجع بعد البوح إلى زمني وحرقت العودة في سفني وانشقت انشقت ماذا سيكون الرد إذا أخفقت أقسمت عليك بخافي الوقت أن تعشق لا أن تشفق لا ملحق فهذا هو التأثر بالآخر والشاعر باستمرار متلقي ومترجم صادق لما يتلقاه، ويضع عليه بصمته هو، ومصداقيته هو، وكل إمكانياته وإلا سيكون إنسانا لا معنى له، فالإنسان هو الذي يستطيع أن يسيطر على حضرته، والصوفية يفهمون جيدا معنى "الحضرة"، فهي حضور وجداني داخلي، وهي حال، والحال يعيشه الإنسان من الداخل، فعندما يصبح الإنسان على هذا المستوى من الحضور الذهني، وفي بداية الخطوات الأولى للنفس المطمئنة، يكون قادرا على أن يصبح على إلمام بكل هذه الخفايا التي تأخذ بتلابيب من يتلقون عنه.
للأسف الشديد لست ممارسا للتصوف
في التصوف هناك الممارسة والمعايشة، وهناك الجذب والميل، وأنا لست ممارسا، ولا معايشا للتصوف.. نعم هناك من القصائد ما تحمل عناوين كلها مواسم وأوراد كما أسميها: حزب البحر، حزب الشكوى...إلخ، فأنا أقرأ كلام السادة الصوفية كثيرا، وأقرأ شعرهم، وتعرفت على صوفيين ليبيين بالذات من أرقى المعادن البشرية، مع أنهم لا يظهر عليهم ذلك، فأنا لا أرى بطريقة الكشف كما يقولون عنها، ولا أدعي لنفسي فراسة المؤمن، فأنا لست ممارسا ولا معايشا لأي طريق صوفي، وإنما مطلع ومعاشر لبحر السادة الصوفية. أهم شيء عندهم التربية التي تقوم على أنك لا تأمن مكر الله، وهذا شيء كبير وليس بسيطا، أن تحذر من أن تعطي لنفسك حسابا، أو أن تختار لنفسك شيئا، وكلما راجعت الأشياء السامية التي عندهم تجد لها أصلا في كتاب الله العزيز، ففي مسألة الاختيار فالله "يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"، ماذا لديك ما تقول الآن؟ كيف تدعي أنك تملك لنفسك "قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا"، ومع ذلك "قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم".. فهم يُهوّنون عليك، ويفهمونك أن تظل بجناحي الرجاء والخوف حتى يتولاك المولى سبحانه برحمته نهائيا، بحيث تسلك من المحن.. كلما وجدت لهم نظرية، أو رؤيا، أو دعوة من الدعاء الذي قد يستغرب، أجد لذلك أصلا في كتاب الله، وهذا فتح من الله سبحانه وتعالى فبدلا من أن أنتقده أجد المرجع الصحيح له، فهذه هي علاقتي بالصوفية.. وفي (قليل من التعري) وفي (مواجيد) كنت أتحدث عن القلب الآلة الجبارة في الجسم، فأردت أن أعطيه قيمته الحقيقية بشكل مجازي، وعندما أتخيل المحبوبة التي أصف عينيها، وهو الشيء الوحيد الذي لا أتفق فيه مع السادة الصوفية، فأقول: لماذا شخص في مستوى عبد القادر الجيلاني أو أبو الحسن الشاذلي، أو غيره من السادة الصوفية، لماذا يصل إلى هذه المرتبة ولم يأخذ معه شريكة حياته؟ هل يعني ذلك أن المرأة لا تستطيع أن تصل إلى هذه الندية ؟ ألم تهجر رابعة العدوية الرجل هي الأخرى؟ فأقول: سبحان الله، المولى عز وجل خلقنا أزواجا، وحتى في ذكره لفضله على المؤمنين يقول: "هم وأزواجهم في ظلال" فالتصور لهذه المرأة التي أقول عنها من المفترض أن تكون سقراطة! وأفلاطونة! وإلخ. كما الرجل. وإذا تأكد أن الرجل أعلى بدرجة كانت هذه الزيادة في الرجل والنقص في المرأة كالشيء المتكامل، فهذه "أفر إلى عينيها" في قصيدة "مواجيد": تجلى طيفها مد الأنامل حتى مس دقاتي تحلت ظمأتي فانشقت الأحجار واستحيت كؤوسي لم تقل هاتي. هذا كله يوحي بما يتصوره الآخرون عن التصوف، وليس الممارس المعايش للتصوف حقيقة، لأن هذا الكلام من الممكن عند أحد السادة الصوفية أن يراه شيئا غير جيد، لكن في نهاية المطاف لن يؤدي إلى فتنة، والشعر عندما يكون جميلا - كما أتصور- فصاحبه غير محاسب عليه من الله تعالى، لكن هو محاسب عليه عندما يدعو إلى ضلالة، فهو هنا يدعو إلى الجمال والحمد لله. أنا لا أدعي، وللأسف الشديد لست ممارسا للتصوف، وأرجو أن أكون دائما محبا لهؤلاء الناس، الذين لا يشقى بهم جليسهم، والذي لا غرض عندهم إلا الله سبحانه وتعالى، وأرى أن كل ما يقومون به له مرجع في كتاب الله، إذن فهم من وجهة نظري في موقع حسن ظني. أبحث عن قلبي وأنامل تسبيحي جذلى غفلت في العد والورد تململ من وقع اللا رد وجدي لجمالك يكفي ........
غربة دائمة
كم أشعر بالغربة أحيانا.. من الصعب وصف الشعور بالغربة والسيطرة عليه بتحديده لغويا، لأنه شعور داخلي، قد تكون أحيانا مسافرا مقيما، ومقيما بالرغم منك، ففي قصيدة عبد الله أوجلان (إما وطن بالإكراه) أنا لا أريد أن أكون تركيا، أتجبرني؟! أنا أرمني أو كردي مثلا، وأنت تريدني تركيا بالإكراه... فأنا إذن في غربة دائمة، الغربة لها علاقة ربما بالغروب، والحزن، والاشتياق، إلى أشياء غير محددة أحيانا.
الفراعنة الذين ادعوا الربوبية وطغوا هم أهون بكثير من فراعنة اليوم.. أنا أتكلم عن الواقع
الإنسان في الرؤية أو المنام عندما يستيقظ يخبرك أنه في مكان لا يستطيع أن يصفه، فالشعر موجود في هذه المناطق، مناطق شبيهة بالرؤيا شبيهة بالحلم، مناطق فيها المتعة والراحة والجمال وفيها الحزن.. الحزن فيه شعور بالوحشة، وهذه هي الغربة، والله سبحانه عندما ذكر الزواج الطيب، الموفق في حياته الزوجية قال: "الذي جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها"، من الممكن للإنسان أحيانا أن يغترب حتى عن نفسه، أنا الآن لست هنا، لست حاضرا كلي، قد أكون في أماكن أخرى، مثلا محبتي لأبنائي، أو لزوجتي، أو لصديق متوف، أو لوالدي رحمه الله، أو إلى مواقع لا نهائية، وأنا موجود هنا، فأنا لا أزال في غربة. أيضا في الشعر، فالشاعرية يؤثر فيها غياب الآخر، فأقول مثلا: ما زلت غريبا عن وطني هل هناك وطن غريب..؟ إنها الصورة التي يفاجئك بها النص، لتقبل كما تقبل، فالنقد قد يساعد الشاعر أن يعرف أين كان هو، لأنه فيه المجاز والحقيقة فالشرح يتعامل معها بأسلوب، لكن الوجدان يتعامل بالمجاز، والمجاز أيضا حقيقي، ليس هناك خيال، لأن هذا كله مخلوق من المولى جل وعلا. أعود إلى بداية حديثي وهو أني لا أتخذ قرارا لأقول الشعر، ولا أصنف الحروف، رغم أن علم اللسانيات من العلوم المحبوبة لدي، النص يفرض نفسه وبمجرد ما أجد الكلمة المستعملة باستمرار أتوقف عن النص. الشعر حتى وإن يكن متعلقا بطلب تغيير واقع لابد أن يكون هامسا، لأنه يدعو، والدعاء يجب أن يكون مهموسا ومناجاة، والشعر إن لم يكن همسا ومناجاة يصير شوكا وليس شعرا. والذي حرك في الصورة التاريخية هو الواقع والمفترض أن ينظر إليه بهذا الشكل، فالمضارع الذي حرك فيّ الماضي، فعندما أقول: والخضر مقاطع أسئلتي والصحبة فينا هذا الكون أدري أن لست أنا موسى لا سر رهينا بعصاتي لا مدين تدعوني للعون أدري أن لست أنا موسى وورائي آخر فرعون.. فالفراعنة الذين ادعوا الربوبية وطغوا هم أهون بكثير من فراعنة اليوم، فأنا أتكلم عن الواقع...
--------------------
• نشر هذا الجزء من هذا الحوار في صحيفة (أسواق) في العدد 89 يونيو 2008 .

هناك تعليقان (2):

  1. نهلة

    منور يا استاد

    ردحذف
  2. من الجميل ان نتذكر ىبائنا رحهم الله
    مزيدا من العطاء استاد محمد
    ودمت لنا وفيا

    ردحذف