ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

الإثارة الرمزية في الفضائيات الملتحية

محمد مليطان

تتناسل الفضائيات العربية بسرعة كبيرة، حتى بلغت في مدة زمنية قصيرة نسبيا، قرابة سبعمئة فضائية عربية، في صورة للتناسل العربي شديد الفاعلية. 
وتأسيسا على سيميائية الصورة في الخطاب الإعلامي لهذه الفضائيات العربية، يمكن اقتراح تنميط يقوم على تقسيمها إلى فضائيات وبرامج ملتحية، في مقابل فضائيات وبرامج حليقة، تعنى الأولى بتقديم الخطاب الإعلامي «المتديّن»، في حين تقدم الثانية خطابا لا يجعل من «التّدين» مكونا أساسيا في خطابه الإعلامي. 
وعلى الرغم من أن الفضائيات الملتحية تنكر -ضمنيا- تضمّن خطابها من أي مجون وغواية تستفز الغرائز الجنسية وتحفزها، وهو الأمر الذي لا تنكره الفضائيات الحليقة، فإن المتابع لا يجد عناء في العثور على هذه الإثارة في مشاهد وبرامج وشخصيات يمكن وصفها بأنها تمارس «الإثارة الرمزية». 
من المعلوم أن «التدين» ارتبط في ذهن المتلقي العربي بخاصة، والمسلم بشكل عام، بصورة نمطية امتصت هذا المفهوم وأعادت إنتاجه في مظاهر شكلية عديدة، من أبرزها «اللحية» بالنسبة إلى الرجل، و«الحجاب» بالنسبة إلى المرأة، هذا الانطباع الشائع يعتمد البنية السطحية لمفهوم التديّن النظري دونما اعتبار للبنية العميقة التي تؤكد أن الحجاب غير كاف لاعتبار المرأة متدينة، وأن اللحية مظهر سطحي لا يفسّر بالضرورة على أنه تديّن بالنسبة إلى الرجل، بل ربما يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، بحيث يمكن اعتبار «الحجاب» و«اللحية» مظاهر سطحية لبنية عميقة متضمنة للغواية في بُعدها الإباحي. 
تقدّم الفضائيات الملتحية خطابها متضمنا وعداً -استلزاميا- بأنها ستهب متابعيها الأجر، وتمنحهم شعورا بالرضا عن الذات؛ لهجرهم القنوات الحليقة التي تغرق متابعيها في بحر من الذنوب والخطايا، فالآخر (الحليق، السافرة) غالبا ما يكون هو مصدر الغواية المحرّمة، وقرين الشيطان، باعتباره الكاشف عن مفاتنه، والمتغنج في مشيته، واللاهث وراء شهواته. لكن المتتبع لهذه الفضائيات والبرامج الملتحية سيتعرف بسهولة إلى غزارة «الإثارة الرمزية» المضمنة للخطاب الإعلامي الملتحي، ولأن الهيمنة على هذا المشهد، لاتزال ذكورية بامتياز، فإنه يتم استثارة «الأنوثة» باستعراض «الفحولة»، والاهتمام بإبراز علامات ذكورية بشكل مبالغ فيه عبر كثافة اللحية، وإظهار الغضب، ورفع الصوت.. وهي العلامات التي تثير المرأة المنتمية إلى البنية الثقافية ذاتها. 
في أحد البرامج، وعلى الهواء مباشرة، لم تتردد فتاة عربية مسلمة في طلب يد أحد الشيوخ على الهواء مباشرة، وبجرأة غير معهودة، خارقة حاجز «الحياء» الذي تطالب به المرأة العربية والمسلمة عادة في كل المقامات. ومصدر الغواية هنا بالطبع لم يكن بياض لحية الشيخ الوقور، ولا تجاعيد وجهه التي تشير إلى تجاوزه سن الستين، بل هي «الإثارة الرمزية» التي أنتجتها بنيات عميقة في الخطاب شديد الذكورة الذي تضمنتها حلقات برنامجه، ومن بينها التظاهر بالاهتمام بالمرأة عاطفيا وروحيا، وهي من مثيرات المرأة الشرقية عموما، والمرأة العربية خصوصا، وبالأخص إذا اقترن هذا الاهتمام بتظاهر المتحدث بأنه أسعد إنسان على وجه البسيطة. 
ثمة أطروحة مشهورة تتحدث عن تأثير الوسيط في المضمون، حيث يتحول الوسيط إلى المضمون المركزي في الخطاب الإعلامي، وهي أطروحة قد تسهم في تفسير تحول عدد من القنوات الملتحية إلى استخدام وسائط بشرية ذات جاذبية أكبر، حيث تم الاعتناء جيدا بالبرامج التي تقدم خطابها عبر الشباب والفتيات الحاملين لصفات الالتحاء الرمزية، باعتبارهم مجددين ودعاة تتوافر فيهم شروط المعاصرة والحداثة الوسائطية، لكن الشيفرة المحمّلة لهذه الوسائط تظل غالبا مختزلة في «الإثارة الرمزية» في بُعدها الإباحي، حيث تتحول هذه الوسائط البشرية إلى مصادر للغواية تستفز الغرائز وتحفزها، وهو الأمر الذي تنكر الفضائيات الملتحية وجوده في خطابها بتاتا. 
ـــــــــــــــ
نشر في صحيفة "أوان" الكويتية الثلاثاء 2010/2/2 العدد:798


Bookmark and Share

هناك 3 تعليقات:

  1. سيدي الفاضل
    شكرا جزيلا على المتابعة
    مدونتكم مميزة اتابعها من الآن
    دمت بود

    ردحذف
  2. اخي العزيز دكتور محمد

    هذا التشهير دائما وابدا مستمر

    ولن يسكت ولن يصمت

    ولكن ايضا الالتزام الاتجاه الى الله عزوجل

    مازال موجودا


    الكلاب تنبح والقافله تسير

    ولابد ان نعبد في صمت

    وفقكم الله

    ردحذف