ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الثلاثاء، 27 مايو 2008

(ثروة كولا) في عبوتها الجديدة



محمد مليطان

قسمة الله سبحانه وتعالى لرزقه قضت بأن لا يحلم أهل الاسكيمو بزراعة الموز، وأن لا ينتظر سكان وسط أفريقيا الجليد ليتمتعوا بالتزلج، وليس لأحد الفضل في تدفق آبار البترول في المنطقة العربية بغزارة، فهي منحة الله لقاطني هذه الأرض، فثروات الوطن هي لجميع المواطنين، ولهم الحق فيها بشكل متساو، دون تفريق، ودون مفاضلة، ودون امتيازات خاصة، وليس فيها للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس فيها للكبير مثل حظ الصغيرين، ولا للقوي مثل حظ الضعيفين، ويتم تقسيمها أو الاستفادة منها في مشاريع وطنية بشكل علني وبشفافية عالية الجودة، هكذا قضت الشرائع المتعارف عليها بين بني البشر منذ أن ظهرت فكرة الوطن والمواطنة للوجود، أو على الأقل هكذا يزعم.

منذ أن فتحت عيناي على الدنيا – إذا صح أنني فتحت عيناي على دنيا - وأنا أسمع بين فترة وأخرى بأن هناك مشروعا يطلق عليه: توزيع الثروة، غير أن أسئلة غزيرة تتساقط على رأسي لم أفلح من الفرار منها، ليس أقلها هو أنه من يوزع الثروة على من..؟

الملفات المقدمة للجان جمع الطلبات وصلت إلى أرقام مهولة، فالقليل من المواطنين والقليل جدا فقط هم الذين لم يقدموا طلبات يرغبون في الحصول على نصيبهم من ثروتهم التي منحها الله تعالى لوطنهم.

إذا تم الاعتراف بأن هناك مواطنين محرومون من الثروة فإن سؤالا مهما يحتل الصدارة ويلغي الأهمية التي قد تنطوي عليها الأسئلة الأخرى، يقول السؤال: لماذا يوجد ليبيون محرومون من الثروة؟
ولماذا لم يتم إلى الآن اكتشاف ومحاكمة الذين وقفوا دون وصول الثروة إلى أصحابها؟
ولماذا لا يعلن عن المجرمين الذين سرقوا ثروة الوطن؟


نشر في صحيفة أسواق - مصراتة 2005


الاثنين، 12 مايو 2008

العاطلون عن العلم

الجامعة هي المؤسسة المسؤولة عن القدرات البشرية العالمة، باعتبارها تضم كفاءات أكاديمية ذات صلة بالعلم والمعرفة، وتعتمد مناهج علمية بانية لا تكتفي فقط باستذكار المنجزات العلمية بل تساهم في التراكم المعرفي الإنساني عن طريق البحث العلمي الدؤوب في أروقتها، أو هكذا ينظر إليها.. هذه النظرة لا تتحقق في مؤسسة تعاني من الإنهاك والأمراض في كامل جسدها، وتعاني مشكلات صحية مزمنة ومعقدة ناجمة عن ركود علمي رهيب، وانغلاق على الذات وامتناع عن الانفتاح على المحيط بألوانه الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل الأدهى أنها باتت منغلقة في نفسها على نفسها، فكل كلية من كلياتها وكل قسم من أقسامها يواصل استخدام برامجه التقليدية دون الانفتاح على بقية الأقسام العلمية، فضلا عن تبادل المعرفة معها.. وبعيدا عن مبدأ التعميم، سأتخذ منهج اللغة العربية للمتخصصين نموذجا لاستعراض بعض الأدواء التي تنهك الجسد الجامعي المتهالك علميا. منهج اللغة العربية للمتخصصين يعيش مشكلات متعددة تحولت إلى متأزمة بفعل الركود العلمي الذي تنعم به مؤسساتنا الجامعية، فانطلاقا من أهداف دراسة اللغة العربية وتدريسها للمتخصصين لا يمكن الاهتداء إلى أهداف غير الهدفين الديني والقومي التقليديين البديهيين، والضبابيين أيضا، فلا وجود بشكل صريح وواضح لأهداف المقررات وغاياتها اللغوية، والثقافية، والاجتماعية، ما أثر على شكل ومضامين المقررات الدراسية.. المشكلة نفسها تتكرر على مستوى المقرر بسبب استنساخ المقرر من مؤسسة دينية هي (الأزهر) حيث استعار الآباء المؤسسون المنهج الأزهري عند تأسيسهم الجامعة الليبية، وهذا قبل أكثر من نصف قرن، ما جعل المنهج مطبوعا بالطابع الديني المتخذ من اللغة وسيلة و(آلة)، وهو ما أفرز تصنيف مادة كـ(النحو) في خانة (المواد المعقدة..!!) ورفع من أهمية شعارات (تبسيط النحو) باعتباره (من علوم الآلة) وهو ما يتناقض مع دراسة اللغة ومفهوم التخصص، كما أن محتوى أغلب المقررات يعد اجترارا ساذجا وسطحيا لما سبقت دراسته في المراحل التعليمية الأولى (الأساسي والثانوي)، وهو إعلان عن حالة فقر وعوز، لا تسمح بالاستفادة من نظام التراكم المعلوماتي. كما تفقد هذه المقررات الرؤية الاستراتيجية للمعرفة الموصوفة بالعلمية، وتفتقر إلى خصائص المنهج الجامعي، الذي من سماته التعلم الذاتي، والبحث، والتنقيب، فالمقرر لايعدو أن يكون مجموعة من الملازم أو الكتب لا تدفع الطالب الجامعي إلا إلى استذكارها وحفظها والاعتماد على المعرفة السطحية دون أن يزود الطالب بمهارات البحث والقراءة، وملاحقة العلم والمعرفة، بالإضافة إلى أن كثيرا من الأساتذة يعيشون حالة تيه علمي، بسبب عدم وضوح الرؤية المتعلقة بأهدافه العلمية، وعدم القدرة على استيعاب متطلبات المرحلة العلمية التي يفترض أن يعيشها، كما أن كثيرا من طلاب قسم اللغة العربية يعتقدون أن ما يدخل ضمن ما يطلق عليه (اللغة العربية) لا يخرج عن فروع المواد الدراسية التقليدية المجترة، وهو ما ينتج عنه صدا ورغبة عن التفاعل مع غير المعهود لديهم. لا تعيش مناهج اللغة العربية تلك المشكلات الداخلية فقط، ولكنها تواجه إشكاليات خارجية دفعت بها إلى هذا الوضع المرضي المتأزم، وساهمت في تحوله إلى عدوى قد يصح وصفها بالجامعية، فعلى مستوى المناخ السياسي مثلا - وهو الإشكال الأهم بين الإشكاليات الخارجية– نجد ارتجال الأمانة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي وتسرعها في اتخاذ قرارات تتعلق بالمناهج وإعدادها، كما حدث في 2006 عندما استدعي رؤساء الأقسام بالكليات الجامعية لاجتماع عاجل في مدينة سبها وتم إبلاغهم بضرورة إعادة صياغة هيكلة نظام الدراسة الجامعي، وصياغة المناهج الجامعية في غضون يومين وتمت المحاججة بأنه أمر سيادي....!!! ومن العجيب أنهم استجابوا لهذه النزوة غير العلمية مع أن كثيرا منهم يحمل حسب المستندات الرسمية صفة: أستاذ...!! هذا بالإضافة إلى أن إيفاد الدارسين للبلدان العربية التي تعيش شللا علميا (والإصرار على ذلك ) لغايات ومنافع لا علاقة لها بـ(العلمية) يعد معوقا أمام التنمية اللغوية والبحث اللغوي؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. هذه الحالة المرضية لواقع اللغة العربية للمتخصصين يمكن – وبكل ثقة – إسقاطها على أغلب الأقسام الموصوفة بالعلمية في جامعاتنا العتيدة التي تفتقد إلى المراجعات العلمية الدورية في المناهج والمقررات الدراسية خاصة المتعلقة بالعلوم الإنسانية، ولا تسمح بالرقابة العلمية على جامعاتنا لتقويم برامجها ومناهجها وأبحاثها وتجهيزاتها من قبل مؤسسات مستقلة دولية، وتطرح بسخاء كل عام آلاف العاطلين عن العلم.. فضلا عن العمل.

عن الإصلاح وضماناته

· تقترن الضمانات عادة بالعقلانية، فكل فعل مضمون العواقب عقلاني بالضرورة، وصادر عن عاقل، ويتم التعامل معه وفق مفهوم العقلانية، بينما يخسر التصرف غير المضمون العواقب والنتائج صفة العقلانية، ويخسر فاعله صفة (العاقل)؛ لأنه خال من أية ضمانات لنتائجه.. الأفعال والتصرفات البشرية التي توصف بـ(العاقلة) تنجز في إطار ضمانات، فلابد للتاجر أن يضمن ربحه – نظريا على الأقل - فلا يدخل صفقة بلا ضمانات تضمن له على الأقل رأس ماله، غير ذلك سيلقى على أكوام الحظ، والمغامرة، والمقامرة، ولا يندرج ضمن الأعمال والتصرفات العاقلة.. وفق هذه المعادلة النظرية تعتبر الضمانات أهم قيمة يسعى المرء للحصول عليها في تقلباته الحياتية من مرحلة إلى أخرى، ولولا الضمانات لكان للحياة شكل آخر أو لاستحالت أصلا. · شعوب العالم الثالث بعامة والشعوب العربية بشكل خاص تطالب حكوماتها وسلاطينها وملوكها ورؤسائها وزعمائها وقادتها بالإصلاح، وهو المصطلح البديل لمصطلح (التغيير) الذي ساد في مرحلة ما قبل التسعينات، وقد جاء هذا التطور المصطلحي على اعتبار أن التغيير يحمل ضمن مدلولاته التغيير بالعنف المسلح، وهو ما تسبب في صدام دموي طال رؤساء بعض الدول العربية، مما جعل مفهوم ( التغيير ) خاليا من أية ضمانات لاستقطاب شعبي كبير داخل الشعوب العربية، وانسجم بالتالي مع مفهوم المجازفة التي لا تضمن فيها السلامة على مستوى الأفراد، ولا النتائج الإيجابية على مستوى المجموع.. ولذلك كان لابد من ميلاد مصطلح جديد بحمولات التغيير ولكنه أقل عنفا من التغيير، فكان مولد مصطلح (الإصلاح) . · (الإصلاح) هو البديل لـ(التغيير) يعتبره الكثيرون بديلا مراوغا وماكرا؛ لأنه ينادي بضمان البقاء في الحكم للحكام ولكنه بقاء أقرب بضمان السلامة الشخصية منه إلى بقاء الفاعلية الحاكمية، وينادي بضمان بالتغيير على مستوى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعوب ضمن وسادات السلامة التي تحف الحاكم، وهو ما يدفع باتجاه تحريك الوضع بدل ركوده حسب مروجي التوجه الاصلاحي، غير أن الحمولات الماكرة لهذا البديل جعلته يعيش أزمة إقناع لطرفي الصراع [الشعب - الحاكم] فمضامين التغيير لم تفارقه، ولذلك تعاملت معه المنظومات الحاكمة بكثير من الحذر، والقمع أحيانا، لأنه لم يحمل مع أدوات التغيير داخله أية ضمانات حقيقية لسلامتهم فضلا عن بقائهم، وهو البند الأهم في لعبة تبديل التغيير بالإصلاح. · الطرف الأكثر رغبة في الإصلاح بمفهومه المسالم هي الحكومات وقاداتها، أما الطرف الأكثر رغبة في الإصلاح بمفهوم التغيير ولو كان بحمولاته العنيفة الانتقامية فهي الشعوب.. فمن يضمن وفاء الحكومات بعهودها والتزاماتها ؟ ومن يضمن قبول الشعوب العربية بهذا المفهوم المسالم فلا تعود لعاداتها القديمة في الانتقام من حكامها وملوكها وسلاطينها...؟

الكبش المقدس

تتشكل على سطح بعض الكائنات الشجرية والحيوانية - أحيانا - خطوط وتعرجات تتشابه وتتناص شكليا إلى حد ما مع خطوط وتعرجات الحروف العربية، ما يسمح للخيال الخصب المتدين بمقاربتها دينيا، باعتبار أنها شكل حروفي أو كلماتي أو جملي ذا طابع ديني، كلفظ الجلالة أو كلمة التوحيد، وهو ما يسمح بإدراجها مباشرة عند هؤلاء المتدينين الشعبيين ضمن طائفة التحليلات والاستنتاجات التبجيلية التقديسية الشعبية، وهو ما يصنف ضمن إطار التدين الشكلاني الذي عادة ما يسوق هذه التشابهات بانفعال تبجيلي وانبهاري كبير.
خصيتا كبش العيد كانت محط اهتمام بعض المتدينين الشكلانيين الشعبيين، إذ لاحظ أحدهم أن اسم الجلالة ارتسم على إحدى خصيتي الكبش، وارتسم اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على الخصية الأخرى، الأمر الذي هداه إلى أن يتوقع أن تكون هذه الظاهرة كرامة لصاحب الكبش الذي اهتم بدوره بنظافة المسجد ليلة العيد، وهو كلمة السر التي حل بها صاحبنا المتدين شيفرة الخطوط المتعرجة على خصيتي كبش العيد.
سأفترض جدلا أن الكبش المسلوخ كان عبارة عن دمية صنعت في الدانمارك، وكانت شرايين الخصيتين ذات تعرجات متطابقة شكليا – طبعا – مع الكبش موطن الكرامة حسب صاحبنا المتدين، وهو بالمناسبة الشكل الطبيعي لخصيتي كباش الدنيا بأسرها - حسب أحد البياطرة - فكيف ستكون ردة الفعل داخل المجتمعات الطيبة الشرقية المسلمة..؟
إن النتيجة حتما ستكون عشرات المظاهرات الغاضبة التي ستعم العواصم والضواحي العربية والشرقية المتدينة شكليا، وحناجر كثير من الأئمة والخطباء ستبح مطالبة من على منبر الجمعة بمقاطعة الكباش الدانماركية، وستتسابق القنوات الفضائية والصحف ووسائل الإعلام الأخرى على تغطية الغضب العربي والإسلامي العارمين على خصيتي الكبش الدانماركي، وسـ ... يظهر متنبي العصر ليتنبأ للدانمارك ويتوعدها بزلازل وفيضانات وكوارث، وبمناسبة ذكر المتنبي هنا، فإن للمتنبي الشاعر بيت من الشعر أهم ما فيه عجزه ..!!!: ... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

الأوقاف .. مظهر اقتصادي وتمظهر ديني

نظام الوقف والحبس بعد الاسلام برز مدعوما من المؤسسة السياسية المتدينة المستفيدة من هذا النظام الاقتصادي، وهو نظام تم استدعاؤه من الذاكرة الدينية للنظم السياسية السابقة للإسلام وخاصة النظم المتدينة بالمسيحية واليهودية.
كما يرصد التراث أن الأحباس كانت من ضمن المعاملات الرائجة بين عرب الجاهلية قبيل الإسلام، وذلك باعتبارها مشروعا اجتماعيا خيريا، في الوقت الذي كان مشروعا اقتصاديا أيضا يضمن دخولا وإيرادات مهمة على خزينة الأسرة أو القبيلة أو الدولة، أو السلطان ومؤسساته، ومنها بالطبع المؤسسات الدينية الناطقة باسمه، حيث يستفيد رجال الدين من أموال الوقف الأمر الذي شكل دافعا مهما لاستدعاء واستنفار الأدمغة الفقهية لتقنينه والاهتمام به:
1- شكلا: من حيث التقنية التنظيمية، وتحديد الفئات المستفيدة منه، ومنها رجال الدين بالطبع
2- وموضوعا: من حيث التحصين النفسي والديني لأموال الوقف والأحباس متوسلين بذلك بوسائل الترهيب التي تشدد على قدسية أموال الوقف والأحباس، بدرجات متفاوتة وصلت إلى الترهيب بالملاك جبرائيل باعتباره وكيلا على أموال الوقف والأحباس، ويقوم بدور الخصم في وجه المتطاولين على الأحباس يوم القيامة بين يدي الله تعالى، ومن عساه يقدم على محاججة ومقارعة جبرائيل عليه السلام؟.
الوقف والحبس الذي نشأ ظاهرة اجتماعية تكافلية تضامنية، وتحول من فعل مندوباً إليه باعتباره عملا صالحا - تحول بفعل الاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتمظهر دينياً - إلى قيمة دينية يحرم المساس بها, لا تورث ولا توهب ولا تباع، بشكل مؤبد، لتصرف إما لفائدة فرد أو عدة أفراد, أو لمؤسسة دينية أو اجتماعية.
ومن الجدير بالذكر هنا أن المؤسسة الرسمية المتمثلة في هيآت الأوقاف ووزاراتها - المستفيدة من الأحباس بالطبع- تتجاهل وتغض الطرف عن تلك الأصوات المنادية بوقف التعامل بمبدأ الحبس السائد وهي أصوات عالية القيمة والمقام والتي يترأسها الإمام أبو حنيفة النعمان الذي اعترض بشدة على الأحباس واعتبر الأوقاف من الظواهر التي عاب الله تعالى على عرب الجاهلية تعاطيها، كما كانت تفعل من تسيب البهائم، الوارد ذمها في قوله تعالى [مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ] .
حيث يدعو هذا الفريق إلى القول بأن الله تعالى حدد في القرآن وجه القربات المالية التي يتقرب بها الإنسان إليه في حياته وذلك عن طريق الصدقات والإقراض مثلا [إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ] فإذا مات الإنسان فإن قانون الميراث القرآني هو الحكم [لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا] وربما كان أبرز ما تظهر فيه حكمة هذا الاتجاه الفقهي هو قطع الطريق على الذين يرمون بتحبيس أموالهم حرمان الورثة من بعدهم، وما أكثرهم...!
وعلى الرغم من أن بعض الدول الإسلامية والعربية تبنت مذهب الإمام أبي حنيفة مذهبا رسميا للدولة فإن ذلك لم يثنها عن الاهتمام برعاية الوقف وتنميته، والتشجيع عليه، وتشكيل الوزارات وتأسيس الهيآت الراعية للأوقاف والمستثمرة له.
وهذا جعل وزارات الأوقاف وهيآتها بين خيارين استراتيجيين، خيار أن تكون مؤسسة دينية أو متدينة تتصرف وفق قوانين الطهارة والنبل الإسلامية، وخيار أن تكون مؤسسة حكومية اقتصادية تحمي أموال الوقف – للدولة وللأفراد- بغض النظر عن طبيعة ظروف تحبيس هذه الأموال.

السبت، 10 مايو 2008

ستايل ليبيا الغد

شهد الوسط السياسي في ليبيا تغييرات وتعديلات بروتوكولية طالت الشخصيات اللامعة والبارزة والقيادية في المجتمع الليبي وتمثلت هذه التعديلات في تشذيب وتهذيب شكل الشخصية القيادية والانتقال بها إلى مرحلة جديدة يغلب عليها الطابع العقلاني والأكاديمي.
كان الشرط الأساسي للمسؤول الليبي أن يكون ثوريا بالفعل وليس بالانتماء للمنظومة الرسمية، وهو ما كان مرادفا لمعاني الاندفاع والحماس والمغامرة، حيث كانت المرحلة السياسية التي تمر بها المؤسسة الرسمية تتطلب في عناصرها هذه الخصائص للقيام بتنفيذ أجندتها التي غلبت عليها البرامج الثورية الانفعالية.
لكن مرحلة الثورة – كما يطلق عليها التيار الإصلاحي - باتت من جملة ما يجب الاحتفاظ به في الذاكرة الوطنية، ولا ينبغي أن يهتم بها أحد غير المؤرخين، وحل محلها مرحلة الدولة، وهي المرحلة التي فرضتها العصرنة، والعولمة.
ولا يجب أن نغفل تزايد الضغوطات الخارجية التي كثيرا ما وصفت الشخصية الليبية ونعتتها بالاندفاع والتهور والمزاجية فصار من الضروري ومما يستوجبه فقه الحال السياسي أن يتبدل الحال وتتم إجراء تعديلات بروتوكولية لا تقف فقط عند عقلنة الخطاب الرسمي بل تتعداه إلى تهذيب وتشذيب يطال المسؤول الليبي في إطاره الشكلاني أيضا.فطغى نعت [الحاج] على المسؤول الليبي، مما أضفى على شخصية المسؤول مسحة عقلانية، كان مزاجها التدين والرشد، وفرضت شيئا من التوقير والمهابة في التعامل مع الحجاج وفق ما تتطلبه الثقافة الشعبية السائدة، حيث يجب أن يحظى الحاج بكل توقير واحترام، لكن سلوك [الحاج] المسؤول كان نغما نشازا في المنظومة الأخلاقية الشعبية، حيث الفساد كان أقل ما يوصف به هذا النوع من الحجاج، مما جعل العقل الجماعي يختلق نظاما دفاعيا يستطيع به التفريق بين الحاج المتدين والحاج المزيف.
لقد صار المسؤول [الحاج] رمزا من رموز الرجعية، والورائية، أو بمصطلح أكثر دقة رمزا مخزنيا راديكاليا، لكنه في الوقت نفسه ساهم في الدفع على مسرح الأحداث بجيل جديد ومعهم طائفة – من المنافقين- متجددة، باشرت منذ البداية في إجراءاتها التشذيبية والتهذيبية التي تخص شكل المسؤول الليبي الجديد والعصري حيث تم تهميش الحجاج، والإعلاء من شأن الدكتور ..... وصارت الدكتوراه [ستايل] سياسي جديد، وصار من لا يحمل الدكتوراه، يسعى لأن تحمله الدكتوراه للمناصب الرسمية، والقيادية، وفتحت الجامعات وأكاديميات الدراسات العليا في الداخل والخارج ذراعيها لاحتضان السادة الحجاج سابقا، ليتم بقدرتها تحويلهم إلى دكاترة وفي كل التخصصات التي يمكن لها أن تخفي هشاشة دكاترتها، وصار الثوري في ليبيا الأمس، هو الحاج في عصر ليبيا النفط، وهو الدكتور في ليبيا الغد.

الركض بقدم واحدة

الإصلاح ليس فقط وتراً شجيا شرقيا، تُقدم من خلاله أسطوانات مشروخة ليأكلها الشرقي الجميل الطيب هنيئا مريئا، لكنه مشروع شامل مبرمج، لابد فيه من القيام بعمليات جراحية وطنية كبيرة، ومؤلمة أحيانا، تستأصل جميع الأورام التي تنهش الوطن.
كما أن ألف باء الإصلاح أيضا، الصدق، والالتزام بتقديم علاجات ناجعة لكل الأدواء التي تنال من المواطن، وتهدم المؤسسات، وتغتال الوطن.. ولا يمكن أن يكون أي برنامج إصلاحي مقنعا وصالحا، إلا إذا كانت الإعلانات عن النوايا الحسنة تقابل بأفعال على الأرض، وتسندها أقوال حكيمة، ورصينة، وعلمية، وقبل كل ذلك وطنية.
البرامج التي تطلقها المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في ليبيا تضع – أول ما تضع- قائمة لأولويات الإصلاح في ليبيا، وتعتقد أنه بالإمكان أن يكون هناك إصلاح حقيقي عبر سلّم من الأولويات، حسب العاجل فالآجل، حيث تتصور أن يبدأ برنامج الإصلاح بالإصلاح الاقتصادي، ثم الدستور، ثم استقلالية بعض المؤسسات، ثم الصحة، ثم الأمن، ثم التعليم، ثم الإسكان وهكذا..
المؤسسة الرسمية وشبه الرسمية هذه بدأت في الركض تسابق الزمن نحو تنفيذ برامجها، في شكل يكاد يكون هستيريا، وتطلق في كل مناسبة مانشيتات انفجارية مدوية، وتعلن عن ميزانيات بأرقام خرافية، ستصرف في البنية التي تحت، مبشرة بانفتاح باب الغنائم على مصراعيه.
المؤكد.. هو أن هذه البرامج تعيش في عالم من الفانتيازيا السياسية، الأمر الذي جعلها حتى الوقت الراهن تسير على قدم واحدة، ما دفع بها إلى عدم الاكتراث بالتهكع الذي يصيب خطواتها نحو المستقبل الغارق في مياه البحر، والمزين بالخطوط الملونة، التي لا يمكن أن تعتبر بداية حسنة نحو إصلاح شامل في البلاد.
الإرادة السياسية الصادقة.. والمواطن. هما ركيزتا أي عمل إصلاحي نهضوي تقدمي، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك إصلاح حقيق دون إرادة من الإدارة السياسية، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تنجح برامج الإصلاح وتؤتي أُكلها دون أن يكون المواطن مؤمنا بها، ومشاركا فيها، وصانعا لبرامجها.

ليبيا اليوم بين ليبيا الأمس.. وليبيا الغد

تعني (السلفية) في مدلولها العام استدعاء التراث في مظهر من مظاهره متمثلا في فكر أو سلوك أو شخوص ...إلخ، وعلى هذا فإنه بالإمكان وصف الليبيين بأنهم (سلفيون) في أعيادهم الدينية والاجتماعية حيث يهرعون إلى الزي التقليدي السلفي تعبيرا عن مظاهر البهجة والفرح.
(السلفية) الليبية تتمثل أيضا في الخطاب الإعلامي الرسمي الليبي، حيث تغص الإذاعة الليبية بالبرامج السلفية لحياة البدو الليبيين، التي يمثلها برنامج (النجع) حتى تم اختزال التراث السلفي الليبي المتنوع في حياة البدو الرعويين فقط.. ولا يقتصر المد السلفي الإعلامي على برامج الرقص والغناء والشعر بل يتمظهر أيضا في برامج الثقافة الدينية التي ينفرد بصياغتها و يمثلها طائفة من الشيوخ ذوي المظهر الشكلي السلفي متمثلا في (الجرد والطاقية ...الخ) والمرجعيات الثقافية والفكرية السلفية، وهو ما يفسر الحضور القوي لمقولات (شباب اليوم) و(الناس اليوم) و(مثقفو اليوم) وتصنيفهم ضمن طائفة المنحرفين عن السلوك والأفكار والتوجهات الثقافية والفكرية السلفية، في حين يتم الإعلاء من شأن ما هو سلفي، مشكلا بذلك قيمة أخلاقية وعلمية مثالية يحتكم إليها في تقييم الواقع..
الفكر (السلفي) يمتد أيضا ليطغى على الساحة الاقتصادية حيث تشكل تجارة (زمان) نموذجا مثاليا في الوجدان الاقتصادي المحلي، وكثيرا ما تسمع حزمة شتائم تنهال من أحد التجار – بسبب نشاط اقتصادي فاشل – على تجار اليوم وتجارة اليوم، ووصل الأمر ببعض السلفيين المتعصبين إلى وصف بضائع قديمة بأنها أجود ألف مرة من البضائع الحديثة، وهكذا...
الساحة السياسية الليبية هي الأخرى آمنت ولمدة تزيد على ربع قرن بالأفكار والمبادئ السلفية للتيار القومي العربي الذي يتغذى على أفكار موغلة في السلفية تعود في جذورها إلى عصر ما قبل الإسلام حيث تشكل القبيلة المرجع الأعلى للقيم والأخلاق، وكم قطف المؤمنون بالقومية العربية من ثمراتها الجنية، في حين حرم الكافرون بها من تلك القطوف الدواني، بل ربما أصابهم الأذى بسبب كفرهم وضلالهم، الأمر الذي سمح بظهور فريق المنافقين وانتشارهم في جسد الدولة المؤمنة آنذاك بالسلفية الفكرية منهجا للحياة.
وبسيطرة المنافقين وتحالفهم مع المؤمنين وعثوهم في ليبيا فسادا وإفسادا كان من الطبيعي أن يظهر جيل من الكافرين منادين بردم الماضي والترويج – فقط – للغد، باعتباره المستقبل الذي يجب أن يتم التركيز عليه، وباعتباره أيديولوجية بديلة يمكن أن يراهن عليها في الزج بالمؤمنين السلفيين إلى خارج اللعبة، وهو ما سيسمح بنشاط جديد للمنافقين لتغيير مسارهم من السلفية القومية الاشتراكية إلى التقدمية الرأسمالية، في حين تم التغاضي من قبل الاتجاهين على مرحلة الحاضر المعاش، والقفز عليه، دون تبرير لذلك، مما يسمح بالقول بأن الواقع المعاش، والحاضر الآني قد استبعد من حسابات ورهانات الفريقين، وبذلك يمكن القول إن ليبيا اليوم قد ضاعت بين ليبيا الأمس، وليبيا الغد.